حلول المشكلات الاقتصادية .. «أنتم أعلم بأمور دنياكم»

19/03/2024 0
د.صالح السلطان

الكلام في هذا المقال يتم تناوله على جوانب اقتصادية، عن عائشة وعن أنس رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بقوم يلقحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح". ثم قال أي راوي الحديث: "فخرج شيصا"، أي معيبا. ثم مر بهم رسول الله فقال: "ما لنخلكم؟" قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم". وهذا موضع اشتباه عند بعض الناس، يطبقه البعض على كل أحوال الاقتصاد، وآخرون يقولون العكس، أي إن كل أحوال الاقتصاد لا ينطبق عليها قول رسول الله "أنتم أعلم بأمر دنياكم". وبتعبير آخر، هناك فهمان متطرفان. الفهم الأول حصر الشريعة في العبادات بالمعنى الدارج، ولكنا نعرف أن الشريعة تناولت حياة الناس من عبادات ومعاملات وغيرها، قال الله - تعالى-: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"، وقال تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك اللَّه" الآية، مقابل الفريق الأول نسمع ونقرأ لبعض الناس عبارات من قبيل في شريعتنا الاسلامية حل كل أمورنا الاقتصادية، وإلا لما كان دينا كاملا، صالحا لكل زمان ومكان.

نحن نعرف أن الدين كامل، ونعرف أن الشريعة لم تأت لتعلمنا كيف تعمل السوق والعرض والطلب في هذه الدنيا، وكيف ترتفع الأسعار وكيف نقيس هذا الارتفاع؟ وكيف نفهم العلاقة بين كمية النقود ومستوى الأسعار؟ كيف يتغير الاستهلاك جراء ارتفاع سعر سلعة أو سلع ما؟ وكيف نقيسه كميا؟ لم تأت لتعلمنا أيها أصلح وأنفع للبلاد: اتباع نظام سعر صرف ثابت إزاء عملة واحدة أو مجموعة عملات أو ترك العملة حرة؟ لم تأت الشريعة لتعلمنا كيف نوزع/نخصص allocate الموارد في الشركات وقطاعات الدولة مثلا بين بدائل استخدام كثيرة، مثلا، كيف توزع/تخصص الأموال بين أوجه إنفاق كالرواتب والصيانة والبنية التحتية وغيرها؟ ما أنسب المعايير التي تحكم التوزيع، وما ماهية هذه المعايير، وعلام اختيرت؟ ما تأثير طريقة التوزيع في النمو الاقتصادي؟

لم تأت الشريعة لتعلمنا طبيعة العلاقة بين متغيرات كالأجور والتضخم، أو بين قيمة الأسهم وأوضاع الاقتصاد أو تفاصيل تأثير السياسات الحكومية في عمل السوق. لم تأت لتعلمنا أيهما أنسب للمجتمع وكيف: أن تقوم الحكومة مباشرة بتوفير الخدمة الصحية، أم تتركها للقطاع الخاص، ومقابل ذلك تنفق عليهم ما كانت تنوي إنفاقه على الرعاية الصحية، وما تأثير كل اختيار على المدى القصير وعلى المدى البعيد، ووفقا لاعتبارات كثيرة؟ هذه أمثلة من المشكلات والقضايا الاقتصادية التي ترك أمر بحثها للعباد، لأنها من أمور دنياهم، مع مراعاة عدم الإخلال بقواعد شرعية عامة، يساعد على فهم ما سبق نصيحة يوسف -عليه السلام- ذات الطبيعة الاقتصادية لملك مصر. نصيحة تصلح لأي مجتمع يتوقع أن يمر بظروف اقتصادية مشابهة، بغض النظر عن ديانة الناصح والمنصوح، وما قلته لا يتنافى مع إيماننا بأن المصائب ومنها المشكلات الاقتصادية إنما هي من الناس، يقول المولى سبحانه: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" الآية 30 من سورة الشورى. ورغم الإيمان بما سبق، إلا أنه لا يمنع من البحث في الأسباب المادية، مثلما أننا نؤمن بأن المرض والشفاء من الله، وأن المرض مصيبة من المصائب المشمولة بالآية، وما كان ذلك مانعا من البحث في أسباب المرض وطلب العلاج.

الموضوع متشعب وطويل بطبعه، وأختم بنقل خلاصة قول نفيس للعلامة ابن باز رحمه الله: "...فقد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ولا سيما خاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم - معصومون من الخطأ لما يبلغونه عن الله -عز وجل- من الأحكام، ...أما في أمور الدنيا فقد يقع الخطأ ثم ينبه على ذلك...". إلخ كلامه رحمه الله، وبالله التوفيق.

 

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية