لم يعد الابتكار مجرد خيار أو رفاهية فكرية، لقد أصبح ضرورة حتمية ومصيرية للمنظمات والحكومات على حد سواء. فلم يعد التساؤل المطروح اليوم حول أهمية الابتكار وأثره الاقتصادي والتنموي على مستوى الدول والمنظمات، بل بكيفية تحويله إلى قوة دفع مستمرة، وجعله أداة رئيسية في تصميم وصناعة مستقبل مستدام للمنظمات والقطاعات الاقتصادية.
ولعلنا في هذه المقالة نطرح تساؤلا رئيسيا ونحاول الإجابة عليه.
ما هي الركائز والممكنات الأساسية لبناء منظومة ابتكار على المستوى الوطني؟
قبل التعمق في الإجابة دعونا نعرف بعض المصطلحات الواردة في هذا السؤال.
المنظومة (Ecosystem): هي نظام يتكون في الأساس من عناصر مترابطة فيما بينها لتحقيق غرض مشترك. فالشركات الربحية على سبيل المثال هي مزيج مترابط من عدة عناصر منها: الموارد البشرية والمالية، بالإضافة إلى الاستراتيجيات وأنظمة التشغيل لتحقق الغرض الأساسي من تأسيس الشركة وهي الربحية واكتساب الحصة السوقية وخلافه.
الابتكار (Innovation): هو عملية تحويل الأفكار والمنتجات البحثية إلى حلول ومخرجات ذات قيمة مضافة ومستدامة، وتتعدد أشكاله، فإما أن يكون على مستوى تحسين الخدمات أو تطوير المنتجات، أو في تغيير نماذج الأعمال والعميات.
الممكنات والركائز الأساسية لمنظومة الابتكار
البنية التحتية: الأساس الداعم لمنظومة الابتكار
البنية التحتية للابتكار تمثل ركيزة وممكن أساسي من ممكنات الابتكار، فوجود بنية تحتية صلبة ومترابطة هي أحد الممكنات الأساسية لبناء وتطوير منظومة ابتكار منافسة ومستدامة، وهذه الركيزة تشمل في مجملها عدة محاور من أهمها ما يلي:
-البنية التحتية الرقمية: في ظل الثورة الصناعية الرابعة تعد البنية التحتية الرقمية حجر أساس لتقديم خدمات ومنتجات ابتكارية، فوجود شبكات اتصال ذات جودة وسرعة عالية، يساعد على تطوير خدمات ومنتجات ذات ميزة نسبية وتنافسية، كما أن توفر مراكز البيانات والحوسبة السحابية (Data Centers) تساعد على استيعاب الكم الهائل من البيانات مما يساهم في تطوير منتجات رقمية نوعية وذات قيمة مضافة، وفي المقابل لابد من وجود منظومة للأمن السيبراني تساعد في حماية الأصول المعرفية وتضمن بيئة رقمية آمنة ومحفزة.
-الوصول إلى البيانات: توفير البيانات الشاملة ذات الجودة العالية يعد ركيزة داعمة لمنظومة الابتكار، فالبيانات اليوم تعد نفط العصر الحاضر، ويجب أن تتميز البيانات بخصائص من الموثوقية وسهولة الوصول بحيث تساعد الباحثين والمبتكرين ورواد الأعمال والمستثمرين على التحليل ودراسة الجدوى والاستبصار لبناء قيمة مضافة ومستدامة للمشروع الريادي والابتكاري.
-المرافق البحثية والتطويرية: تشكل المرافق البحثية سواء في الجامعات والمراكز الأكاديمية حلقة الوصل بين قطاع التعليم والقطاع البحثي وبين السوق والصناعة، لذا من المهم تكوين شبكة من المرافق البحثية والتطويرية، وتزوديها بأحدث الأدوات والتقنيات وتمكينها تنظيميا من الوصول إلى السوق وبناء المشاريع المشتركة مع القطاع الخاص.
-التشريعات والتنظيمات البيئة المحفزة والجاذبة للابتكار ورؤوس الأموال:
عادة ما يكون الابتكار والتقدم التقني أسرع وتيرة من التطور التشريعي والتنظيمي، حيث تشكل هذه الفجوة تحديا يتطلب استجابة استباقية من الجهات الحكومية وصناع القرار لضمان النمو الاقتصادي وعدم إعاقة التقدم التقني، لذا من المهم التكامل الفعال بين الجهات التنظيمية والتشريعية والسعي لبناء أطر تنظيمية مرنة، ومتكيفة مع المتغيرات الاقتصادية والتطورات التقنية، تساعد في الحد والتقليل من المخاطر والتحديات، وتعزز في المقابل من فرص الاستثمار في الإبداع والابتكار.
يتطلب بناء هذه البيئة التنظيمية توفر وتكامل هذه العناصر مجتمعة:
الأطر التنظيمية الداعمة: يعد الوضوح القانوني والتشريعي عاملا أساسيا لجذب الاستثمار عالي المخاطر، وهي السمة التي يتسم بها قطاع الابتكار والتقني. لذا من المهم وجود قوانين وأنظمة واضحة ومرنة لاستيعاب نماذج الأعمال المبتكرة ، تساهم في حماية الملكية الفكرية وتدعم وتحفز على استغلالها، وتشجع المنافسة العادلة وتحد في المقابل من الاحتكار.
برامج البيئات التنظيمية التجريبية: تعد البيئات التجريبية التشريعية أداة حديثة نسبيا في مجال الابتكار، وتعرف بأنها البرامج التي تدعم اختبار وتجربة النماذج الابتكارية والتقنيات الحديثة تحت نظر المشرعين والمنظمين مما يحفز الاستثمار في تطوير التقنيات الحديثة، ويساهم في الحد من المخاطر المحتملة على المستهلك النهائي والبيئة.
السياسات المحفزة للبحث والابتكار: في مجال البحث والابتكار يجب أن تقدم السياسات الوطنية المرونة والحوافز اللازمة لبناء منظومة ابتكار منافسة ومستدامة، لذا من المهم توفير حوافز مالية وضريبية للشركات والمؤسسات التعليمية للاستثمار في البحث والتطوير، وتشجيع القطاع الخاص لبناء الشراكات مع الجامعات، إضافة إلى توفير المرونة للجهات الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس لتطبيق اختراعاتهم ومخرجاتهم البحثية على أرض الواقع وتحويل ملكياتهم الفكرية إلى منتجات ملموسة في السوق.
التمويل ورأس المال الجريء: قلب الابتكار النابض
يعتبر التمويل محورا أساسيا وجزء لا يتجزأ من منظومة الابتكار وريادة الأعمال، فهو الشريان الذي يغذي المراحل الأولية للابتكارات والبحوث التطبيقية وتجربتها على أرض الواقع. وقد أثبتت الدراسات التي تصدرها أبرز المنظمات الاقتصادية الدولية مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن هناك علاقة طردية بين الإنفاق على البحث والابتكار وبين العائد الاقتصادي والاستثماري على المدى الطويل من حيث زيادة الإنتاجية والكفاءة وتوليد فرص العمل الجديدة وفتح قطاعات اقتصادية جديدة.
ولضمان استدامة هذا المحور وتحقيق مستهدفاته من المهم توفر العناصر التالية:
الصناديق الحكومية: في التجارب العالمية تعتبر الحكومات الداعم الرئيسي للابتكار وريادة الأعمال، خاصة في المجالات عالية المخاطر أو الاستثمار في التقنيات المتقدمة، فمن المهم وجود صناديق حكومية توفر التمويل والدعم لرواد الأعمال من خلال منتجات تمويلية مبتكرة وغير هادفة للربح، تساعد الرواد والشركات الناشئة في تخفيف المخاطرة وتحقيق النمو المستدام. كما تدعم التمويل الموجه نحو القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية.
الاستثمار ورأس المال الجريء: إضافة إلى جانب المخاطرة تمتاز الشركات الريادية والتقنية بتحقيق النمو السريع والقفزات الكبيرة، ولذلك من المهم توفر صناديق لرأس المال الجريء تدعم تنمية الشركات الناشئة وتساهم في توزيع المخاطر، كما تساهم في جذب رأس المال الأجنبي للاستثمار في القطاعات المحلية الواعدة.
أدوات التمويل المبتكرة: لتأمين استدامة قطاع التمويل من المهم تبني نماذج وأدوات التمويل الحديثة والمبتكرة مثل (نموذج الشراكة بين القطاع العام والخاص (PPP Public Private Partnership) وذلك لتمويل البنية التحتية لمنظومة البحث والابتكار والمساهمة في تطوير التقنيات المتقدمة ذات الأولوية، إضافة إلى نموذج التمويل الجماعي (Crowed funding) لتمكين المبتكرين ورواد الأعمال من الحصول على التمويل بمبالغ صغيرة لتطوير منتجاتهم وشركاتهم الريادية.
التوعية ورأس المال البشري: ذروة سنام الابتكار
الإنسان هو مبتدأ الابتكار الأول ومنتهاه الأخير، فهو المبتكر وهو المتبني لهذا الابتكار. فبناء القدرات وتطوير الكفاءات تعتبر العمود الفقري لأي منظومة ابتكار، وتتطلب هذه الركيزة طول النفس والاستثمار طويل الأمد، لأن الأثر المحصل عليه لا تظهر نتائجه على المدى القصير.
ويتطلب تعظيم العائد على الاستثمار في هذه الركيزة توفر أربعة عناصر أساسية:
استقطاب ورعاية المواهب: من الأهمية بمكان استكشاف ورعاية المواهب المحلية في مراحل مبكرة، إضافة إلى السعي لجذب المواهب العالمية وخلق بيئة محفزة لهم للابتكار وذلك من خلال توفير عدد من البرامج المخصصة لاحتضان واكتشاف المواهب، إضافة إلى تطوير عدد من السياسات الجاذبة للخبراء والمبدعين حول العالم.
التعليم والتدريب: يعد التعليم والتدريب ممكن أساسي من ممكنات الابتكار، حيث يجب أن تسعى الحكومات والمنظمات إلى تطوير أنظمة التعليم لتواكب متطلبات العصر الحديث لتساهم في سد الفجوة بين المهارات المطلوبة حاليا، وبين المهارات المطلوبة مستقبلا. من المهم في هذا العنصر الاهتمام والتركيز على نقطتين:
-تطوير برامج التعليم والتدريب من خلال دمج مواضيع الإبداع والابتكار من المراحل المبكرة في التعليم العام، وكذلك التدريب على مواضيع ومهارات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات وغيرها.
-تطوير طريقة وأسلوب التعليم من خلال توفير أدوات وبنية تحتية تمكن الطالب والمتدرب من التجربة وتفعيل وممارسة ما تعلمه على أرض الواقع عبر المعامل والمختبرات والتدريب التفاعلي والمحاكاة.
برامج التوعية: تغيير عقلية الأفراد والمجتمعات حول الابتكار وريادة الأعمال تعد الخطوة الأولى في محور التوعية، فالابتكار ليس مقتصرا على الباحثين والشركات، بل هو ثقافة من المهم غرسها في المجتمع، فمن المهم توفير برامج ومبادرات تخلق حراكا توعويا واسع النطاق حول أهمية الابتكار وريادة الأعمال وأثرها الاقتصادي والاجتماعي، ولعل من أبرز المقترحات في ذلك هو إبراز النماذج الريادية من جهة لخلق الحافز، والمتعثرة من جهة أخرى لغرض التعلم واستخلاص الدروس المستفادة، كما يجب تفعيل المعارض والمؤتمرات الخاصة بالتوجهات الحديثة في الابتكار.
المسابقات والهاكثونات: تعد المسابقات والهاكثونات أدوات فعالة وسريعة لتحويل الأفكار والمقترحات الإبداعية إلى حلول عملية ابتكارية، كما أنها تعتبر أداة فعالة لاكتشاف واقتناص المواهب وتوفير الفرص الملائمة لهم لدخول عالم ريادة الأعمال. لذا يجب على المنظمات الحكومية والشركات الكبرى رعاية وتنظيم مثل هذه البرامج من خلال إبراز التحديات التي تواجهها هذه المنظمات والشركات وإشراك المجتمع المدني والطلاب في التفكير وتوفير الحلول الابتكارية لمثل هذه التحديات.
الشراكات والتعاون: قوة التكامل وأثره
تمثل الشراكات عنصرا جوهريا ومبدأ من مبادئ الابتكار، فالابتكار ينمو على التنوع والتعدد في الأفكار والرؤى. وفي هذه الركيزة من المهم التركيز على تحفيز بناء الشراكات وتعزيز التكامل بين القطاعات المختلفة القطاع الحكومي (المنظم والممكن) ، والقطاع الخاص (الممول والمطبق)، والقطاع غير الربحي والمجتمع المدني (المتبني والمستهلك) بالإضافة إلى القطاع الأكاديمي والبحثي (المولد للمعرفة)، وذلك من خلال تأسيس مشاريع مشتركة، وتفعيل أدوات التحالفات والاندماجات.
ولتحقيق مستهدفات هذه الركيزة من المهم إيجاد وتفعيل المحاور التالية:
-الشراكة بين الجامعات والصناعة: يهدف هذا المحور إلى بناء جسر متين بين الجهات الأكاديمية وبين السوق بحيث يتم نقل المعرفة وتجسير الأبحاث والملكيات الفكرية من جهة، وتمويل المشاريع الأكاديمية والبحثية من جهة أخرى مما يعزز التكامل ويسد الفجوة بين الأنشطة الأكاديمية وبين السوق.
-المنصات التعاونية: يقصد بالمنصات التعاونية تلك البيئات والمبادرات والكيانات الحكومية أو غير الربحية التي يتم تصميمها لتمكين وتسهيل التفاعل المنهجي بين جهات متعددة لغرض تبادل المعرفة والموارد والبيانات وبناء المشاريع المشتركة. وتهدف هذه المنصات إلى تحفيز الابتكار المفتوح وخلق الشراكات الاستراتيجية النوعية، إضافة إلى تحقيق الاستدامة على المدى البعيد من خلال المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية.
-إشراك المجتمع المدني: لا يقتصر الأثر من الابتكار على التقنيات والاقتصاد فحسب، بل يجب أن يتعدى ذلك إلى المجتمع المدني والأفراد، لذا من المهم تفعيل دور الأفراد والمنظمات غير الربحية وإشراكهم في أنشطة الابتكار، وضمان أن الحلول الابتكارية تلاءم احتياجات وتطلعات المجتمع والأفراد.
ختاما:
الابتكار هو المفتاح نحو بوابة المستقبل، وضرورة حتمية لا خيار ترفيا، فلا يمكن حل التحديات والمشكلات الراهنة سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية بنفس الأدوات والعقليات التي أوجدت هذه المشكلات. فمن خلال هذه المحاور الخمسة التي تمت مناقشتها (البنية التحتية، التشريعات، التمويل، رأس المال البشري، والشراكات) يمكن بناء منظومة ابتكار وطنية مستدامة تساهم في تحقيق الهدف الأسمى من الابتكار وهو تصميم وصناعة مستقبل مستدام للوطن والأجيال القادمة.
وإذا كان للابتكار ممكنات وعناصر مادية وتنظيمية يجب تفعيلها، فهناك قيم ومبادئ جوهرية يجب أن يتم تبنيها وتفعيلها لدى الجهات والمنظمات القائدة لمنظومة الابتكار ومن أهمها: التكامل بين كافة العناصر لضمان تحقيق التناغم والوصول إلى المستهدفات، والمرونة من خلال الاستجابة للمتغيرات والمستجدات، إضافة إلى التعاون بين كافة المعنيين لضمان تحقيق الأثر المستدام والمنشود.
إن الطريق نحو منظومة ابتكار مستدامة يتطلب تضافرا في الجهود على المستوى الوطني، لكن العائد والثمرة تستحق كل الجهد والوقت، فما نحن عليه اليوم من تقدم وتنمية كان ثمرة جهود الرواد الذين سبقونا، وأما المستقبل الذي ننشده لأنفسنا وأبنائنا من بعدنا فسيكون نتيجة مباشرة وأثرا ملموسا لما نبينه ونقوم دعائمه اليوم.
وعلى دروب الابتكار والاستدامة نلتقيكم
خاص_الفابيتا


