ارتفاع الفائدة وانكماش التضخم

19/10/2023 0
عبد الحميد العمري

تباطأ معدل التضخم في المملكة لرابع شهر على التوالي إلى أدنى من 1.7 في المائة بنهاية سبتمبر الماضي، وهو الاتجاه المتوقع لمستويات الأسعار قياسا على الارتفاع الراهن لمعدل الفائدة، الذي يستقر ممثلا في معدل اتفاقية إعادة الشراء (الريبو) عند 6.0 في المائة، بينما وصل معدل الفائدة بين البنوك لفترة ثلاثة أشهر إلى أعلى من 6.2 في المائة خلال الشهر نفسه. وبمقارنة بـدل التضخم مع الفائدة؛ فإنها تظهر بالتأكيد تجاوز معدل الفائدة للتضخم للشهر الـ18 على التوالي بنحو 452 نقطة أساس، وهو الفارق الذي بدأ بالاتساع منذ أبريل من العام الماضي، بالتزامن مع اندفاع البنك المركزي السعودي (ساما) نحو رفع معدل الفائدة، تحقيقا لهدفه بالمحافظة على الاستقرار النقدي محليا، وتأثرا بقرارات رفع "الاحتياطي الفيدرالي" الأمريكي معدلات الفائدة على الدولار، الذي خاض وما زال حتى تاريخه يخوض مواجهة شرسة ضد التضخم المرتفع في الولايات المتحدة. وتحت هذه الظروف والعوامل الراهنة التي تشير إلى استمرار ارتفاع معدلات الفائدة لفترة قد تمتد إلى 2025، يتوقع أن يظل معدل التضخم محليا عند مستويات متدنية جدا، علما أن العامل الرئيس الدافع لوجوده طوال الفترة الماضية، تمثل في ارتفاع مؤشر إيجارات السكن الفعلية الذي تباطأ بدوره خلال الشهر الماضي إلى 9.8 في المائة، مقارنة بذروته الأعلى التي سجلها خلال يونيو من العام نفسه بنحو 10.8 في المائة. وللتأكيد على التأثير الكبير لمؤشر إيجارات السكن الفعلية، خاصة أنه يشكل نحو 21 في المائة كوزن نسبي في معادلة احتساب التضخم، فعند استبعاده من المعادلة ستأتي نتيجة التغير السنوي في مستويات الأسعار (التضخم) مساوية للصفر.

يحمل استمرار ارتفاع معدل الفائدة بالصورة الراهنة لفترة طويلة، كثيرا من التحديات الاقتصادية والمالية على مختلف القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد، التي تمتد إلى رفع تكلفة تمويل نشاطات الاقتصاد، وتقلص بدورها من قدرتها على النمو والتوسع والتوظيف، إضافة إلى زيادة احتمالات تعثر عديد منها تجاه البنوك الدائنة، وهو الأمر المعتاد مشاهدته في مثل هذه الظروف غير المواتية، خاصة لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، أو تلك المنشآت ذات الرافعات المالية العالية جدا، وهو الجانب الذي تسهم الصناديق الحكومية محليا في تخفيف حدته إلى أقصى درجة ممكنة، وهو ما حدث واستمر قائما حتى تاريخه منذ أزمة كوفيد - 19، وأسهم بدوره في محافظة النشاطات غير النفطية والقطاع الخاص، على وجه الخصوص، على معدلات نمو إيجابية، وصلت إلى 5.2 في المائة للقطاع غير النفطي، وإلى نحو 5.8 في المائة للقطاع الخاص بنهاية الربع الثاني من العام الجاري.

وتزداد بالطبع ضغوط تلك التحديات التي تواجهها القطاعات الإنتاجية بدرجة أكبر أثناء تدني مستويات التضخم واقترابها من الصفر، خاصة إذا امتدت إلى تقليص القوة الشرائية لدى المستهلكين، التي تشكل الثقل الأكبر للتدفقات الداخلة على المنشآت المنتجة، ويظهر ذلك جليا في أثناء عدم الحاجة إلى ارتفاع الفائدة في ظل تلك الظروف التي يكون خلالها التضخم قريبا من الصفر، إلا أن الاعتبار القائم والأهم هنا يرتبط بالسياسة النقدية للريال، وارتباطه بسعر صرف ثابت مع الدولار الأمريكي، الذي يتطلب تتبع قرارات تحديد معدل الفائدة للريال لما يتم اتخاذه بشأن الدولار، تحقيقا للمحافظة على الاستقرار النقدي محليا.

كما أنه ستتشكل تحديات معينة، كما سبقت الإشارة إليه أعلاه في أهم جوانبها، فإن ارتفاع معدل الفائدة ضمن مستويات قياسية تبتعد عن المستويات المتدنية للتضخم، يحمل أيضا مزايا أو إيجابيات عديدة، خاصة لأصحاب الدخول الثابتة، وأغلبهم من الأفراد. لعل من أهمها ارتفاع القيمة الحقيقية للدخل الثابت مقابل انكماش الأسعار، ما سيتحسن على أثره المستوى المعيشي للأفراد وأسرهم. كما أنه سيسهم في الأجل الطويل في الحد من تضخم أسعار تملك السكن، التي ارتفعت أسعارها السوقية بمعدلات قياسية طوال الفترة 2019 - 2022 التي اقترنت بانخفاض قياسي لمعدلات الفائدة، وما نتج عنه من ارتفاع قياسي للقروض العقارية الممنوحة للأفراد طوال تلك الفترة، الذي دفع بأسعار الأراضي والعقارات عموما نحو ارتفاعها بمعدلات قياسية، تجاوزت معها القدرة الشرائية لأغلب المستهلكين الباحثين عن تملك السكن.

كان من أهم نتائج ارتفاع معدلات الفائدة خلال الفترة الماضية، انكماش أحجام الإقراض العقاري للأفراد بنسب فاقت 50.0 في المائة، وانعكس أول آثارها على إيقاف وتيرة الارتفاع المطرد لأسعار الأراضي والعقارات، وينتظر خلال عامين على أقل تقدير، بالتزامن مع استمرار ارتفاع معدل الفائدة، وانحسار الإقراض العقاري إلى مستوياته الطبيعية، وزيادة ضخ المعروض من الوحدات السكنية تحت برامج الإسكان الراهنة، ودخول مزيد من شركات التطوير العقاري الأجنبية، وتعاظم دورها في زيادة وتنوع المنتجات السكنية، أن يسهم كل ذلك في تصحيح الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات، وأن تعود إلى الاستقرار ضمن حدود القدرة الشرائية لأغلبية الأفراد والأسر، وهي النتيجة الإيجابية التي لن تقف مكاسبها عند هذه الحدود، بل ستمتد أيضا إلى القطاعات الإنتاجية كافة في الاقتصاد الوطني، ويعزز من قدرتها مجددا على النمو بوتيرة أسرع، والمساهمة بعد ذلك في زيادة قدرتها على التوسع والتوظيف، وهو ما سيؤدي بدوره في المجمل في الأجل الطويل إلى تجاوز ما سبق الإشارة إليه من تحديات سابقة تم ذكرها أعلاه.

يشير كثير من تقديرات وتوقعات المستثمرين والأسواق إلى أن عصر الفائدة المتدنية كما حدث خلال 2009 - 2021، قد لا يعود إلا بعد أعوام طويلة في ظل العوامل والظروف الراهنة للاقتصاد عالميا، وأن على الأطراف كافة من منتجين ومستهلكين على حد سواء، أن يعملوا على سرعة التكيف مع هذه الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية، والتأكيد هنا على أن أوضاعا كهذه الأوضاع التي تتسم بالتشديد النقدي، من أهم فوائدها -رغم آثارها المؤلمة أحيانا- أنها ستقلص كثيرا من فرص نشوء الفقاعات السعرية في الأسواق عموما. ولعل من أهم تلك الأسواق هي أسواق الإسكان على مستوى دول العالم عموما (بلغ حجمها 287.6 تريليون دولار بنهاية 2022)، والجيد خلال الفترة الراهنة أنها بدأت تشهد تصحيحا في أسعارها المتضخمة منذ بداية العام الجاري، وذلك وفقا لما أظهرته البيانات الرسمية الصادرة عن بنك التسويات الدولية BIS، ويؤمل أن تستمر في التصحيح والاتساع خلال العقد الزمني المقبل، نظرا للآثار السلبية اقتصاديا واجتماعيا التي خلفها تضخمها الكبير طوال العقد الماضي.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية