قدرة القطاع الخاص والسياسات الاقتصادية

05/09/2023 0
عبد الحميد العمري

شهد 2013 المرة الأولى، التي تخطت خلالها أعداد العمالة المواطنة المدنية في القطاع الخاص أعدادهم في القطاع العام، واستمر ذلك الأمر في الاتساع طوال العقد الماضي، إلى أن وصلت نسبتهم في القطاع الخاص إلى 58 في المائة من إجمالي العمالة المدنية في كل من القطاعين العام والخاص. وتمكن القطاع الخاص من زيادة العمالة المواطنة لديه خلال آخر عامين حتى منتصف العام الجاري بصافي بلغ 459.8 ألف عامل، مقابل 146.1 ألف عامل في القطاع العام، أي بزيادة لمصلحة القطاع الخاص تجاوزت 3.1 ضعف مقارنة بما تمكن القطاع العام من تحقيقه خلال الفترة الزمنية نفسها، الذي يشير بدوره إلى اقتراب القطاع الخاص من تحقيق المستهدفات المرتبطة بتوسعه وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وأن يرتقي إلى أن يكون الموظف الأكبر للموارد البشرية المواطنة، والتأكيد أيضا على أنه ما زال منتظرا منه "أي القطاع الخاص" أن يرفع زخم التوظيف والتوطين لديه، نظير النمو المطرد في مخرجات التعليم والتدريب من الموارد البشرية المواطنة، وما يتطلبه تحقق ذلك من أهمية استمراره في النمو الحقيقي بمعدلات لا تقل عن 5.0 في المائة سنويا كحد أدنى طوال العقد المقبل، وهذا بالطبع يقتضي تحقق كثير من متطلبات نمو القطاع وتوسع نشاطاته، وأن تعمل السياسات الاقتصادية المقررة من الأجهزة العامة على تذليل التحديات المتعددة والمستجدة من وقت لآخر المحتمل وقوفها في طريقه، تحقيقا لمستهدفات النمو المستدام للاقتصاد الوطني من جانب، من جانب آخر زيادة تمكين القطاع من توفير مزيد من الوظائف الملائمة والمجدية أمام الباحثين والباحثات عنها من المواطنين.

لطالما تم التأكيد في مرات عديدة على أن تسخير كافة المبادرات والسياسات والبرامج الاقتصادية المتعددة المرتبطة بهذا الجانب التنموي البالغ الأهمية، ومن أهم وأول تلك المجالات التنموية، ما هو مرتبط بأنشطة المضاربات على الأراضي لكونها أنشطة تستقطب ثروات وسيولة كبيرة، ولا ينتج عنها سوى تشكيل فقاعات سعرية "تضخمية" في مختلف النشاطات الأخرى في الاقتصاد الوطني، وهي النشاطات ذاتها التي يضطلع بأغلبها القطاع الخاص نموا وتوظيفا، ووجود مثل تلك الممارسات المضاربية، من شأنه بكل تأكيد المساهمة في زيادة التحديات والمعوقات التي تتسبب في بطء النمو والتوظيف على حد سواء، ما يقتضي بدوره من السياسات الاقتصادية أن تعمل على تضييق الخناق على تلك الممارسات بأشكالها كافة، حماية للاقتصاد الوطني بشكل عام، والقطاع الخاص "الطرف المنتج" بشكل خاص، والعمل بوتيرة أسرع على أن تساعد السياسات الاقتصادية والبرامج والمبادرات المأمولة هنا على تحويل المساحات الشاسعة من الأراضي اكتنازا دون انتفاع، وضخها في مختلف القنوات الإنتاجية والتنموية بشكل أوسع، فعدا أن وضعها الخامل المسخر في أغلبه للمضاربات بالأموال والثروات والمدخرات تسبب في اجتذابها على حساب بقية قنوات الاستثمار والإنتاج، ما أدى إلى التسبب في تقليص نصيب القطاعات المنتجة من تلك الثروات والمدخرات، والتسبب بدوره في بطء نموها واتساعها بما يلبي متطلبات تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وبما يؤهلها لزيادة مساهمتها في الاقتصاد الكلي، وبما يؤهلها أيضا في زيادة فرص العمل أمام مئات الآلاف من الموارد البشرية المواطنة، ومثال ذلك تجده حاضرا في عديد من مجالات الاستثمار، حينما يفاضل أصحاب المدخرات بين الاستثمار في أي قطاع إنتاجي، أو ضخها في قطعة أرض في أي موقع من المواقع الموعودة بتنامي أسعارها دون بذل أي مجهود، فتجده وفقا لتحديات ومخاطر ومتطلبات أي الخيارين، يتجه نحو الخيار الأقل تكلفة ومخاطرة وجهدا "شراء قطعة أرض" والانتظار، دون النظر إلى الخيار الآخر، ويتحول الأمر إلى تحد تنموي أكبر متى غلب هذا السلوك على أغلب ذوي المدخرات والثروات، ورغم كل ذلك فلا يعد ذلك جرما إن حدث طالما أنه تم في سياق السياسات الاقتصادية القائمة.

لم تقف آثار اجتذاب الثروات والمدخرات نحو المخزنات الخاملة إنتاجيا عند ما تقدم ذكره! بل امتدت بدورها إلى رفع تكلفة المعيشة والإنتاج على حد سواء، ففي الأعوام التي تتنامى خلالها أسعار الأراضي حاملة في أحضانها الثروات والمدخرات من جانب، سينعكس ذلك النمو في الأسعار على ارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج والتشغيل في الأجل الطويل، ويزيد من التحديات التنموية والاجتماعية على كاهل المنتجين والمستهلكين على حد سواء، وقد تتوقف نشاطات شريحة من المنتجين لارتفاع التكاليف مقابل الإيرادات، وتتقلص الوظائف ومن ثم تنعكس سلبا على المستهلكين الذين قد يفقدون وظائفهم ومصادر دخلهم. وما سبق يأتي على العكس تماما من الحالة الصحية، المتمثلة في زيادة أسعار الأراضي نتيجة لاستخدامها في الإنتاج والتشغيل والاستهلاك، وهو الأمر المحمود بكل تأكيد.

ختاما، كما أن الجميع ينتظر من القطاع الخاص كثيرا من العمل والمساهمة والتوسع، فهو أيضا يحتاج إلى مزيد من الدعم والتحفيز، وتسخير أغلب السياسات والبرامج والمبادرات، محليا، ليتمكن من الوفاء بما هو مطلوب أو مأمول منه، وهو الأمر الذي تحقق كثير منه طوال الأعوام القليلة الماضية، إلا أنه يحتاج إلى مزيد في الوقت الراهن ومستقبلا لمواصلة نموه وتوسعه، والوصول إلى مستويات أعلى مما تحقق حتى تاريخه.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية