الروابط بين مالية الشركات والتوجهات الاقتصادية

04/09/2023 0
د.صالح السلطان

مع مرور الاقتصاد العالمي بتحولات مهمة، فإن مسار السياسات الاقتصادية وتوجهها يتأثران تبعا. وهناك علاقة قوية بين هذه التحولات والأوضاع المالية للشركات. كما أن من المؤكد وجود روابط بينهما. لكن كيف؟

هناك اتجاهان رئيسان:

الأول، حول تأثير تطورات الاقتصاد الكلي في نجاح منشآت القطاع الخاص. وتتفاوت المنشآت في تأثرها. تبعا لعوامل، مثل: حجم ديون المنشأة، وتغير أسعار الصرف، ومعدلات الفائدة.

الاتجاه الآخر عكسي، أي عن تأثير قطاع المنشآت في الاقتصاد خاصة الكلي، أي على مستوى الاقتصاد كله، وما يتخذ فيه من سياسات، وليس على مستوى الاقتصاد الجزئي، أي مستوى فئات محددة من مستهلكين أو منتجين بعينهم.

الاهتمام بالموضوع كان بسيطا نسبيا قبل أزمة 2008 المالية العالمية. ثم شهد اهتماما لفترة ثم ضعف الاهتمام، لكنه عاد مع ما يشهده الاقتصاد العالمي من أحداث وتطورات وتحولات، تثار أسئلة حول مدى تأثير نمو أو انكماش الاقتصادات في قطاع الشركات. وتثار أسئلة بصورة عكسية، أي حول مدى تأثير الانكماش في قطاع الشركات على النمو الاقتصادي الكلي وجوانب اقتصادية متفرعة من توظيف وأسعار وغيرها. وهذه الأسئلة تجر إلى طرح أسئلة عن مدى تأثير سياسات الاقتصاد، وكيف لصناع السياسات فهم الروابط وما يبنى عليها؟

من المؤكد وجود روابط تأثيرية بين الطرفين قطاع الشركات والاقتصاد. وجودة الفهم تتطلب بناء وتطوير أدوات عملية تطبيقية تساعد متخذي القرارات وصناع السياسات على فهم الأوضاع وكيفية التصرف لمواجهة التحديات الناجمة من مشكلات تعانيها منشآت، مثل: الديون الثقيلة وتغير التقنيات ونمو صادرات دول أخرى، تجاه تحديات المشكلات، فإنه لا ينبغي الاعتماد فقط على ما ينبغي للشركات أن تفعله، فالبشر محبون للمال. ومن المستبعد أن تقوم الشركات من تلقاء نفسها إلى تحمل أو حتى التكيف مع صدمات مكلفة. كما أنها لا تهتم بمبدأ التعاون في التكيف مع الظروف الصعبة، بل المتوقع هو محاولة تمرير المسؤولية إلى الغير، مما ينتج من الصفات السابقة عدم توقع حدوث شيء من التعاون لمجاراة أوضاع بعينها في اقتصاد أي بلد. ومن أحدث هذه الأوضاع رفع معدلات الفائدة. بل المتوقع أن محاولة الشركات، خاصة الكبيرة، ستحاول قدر ما تستطيع أن تبعد عن نفسها سلبيات تلك الأوضاع. وهذا يجعل التحميل يتركز في الآخرين، وعلى رأسهم العاملون في تلك الشركات. تحميل بطرق مختلفة كتجميد الأجور وتقليل مساهماتها النفعية مثل الدعم الاجتماعي.

الأوضاع السابقة قد تنتج نتائج مخالفة للمتوقع عادة. مثلا قد تتفوق الشركات الصغيرة على القيادية في سوق الأسهم. وفي هذا كان تحليل نشرته صحيفة «الاقتصادية» في عدد السبت الماضي، تحت عنوان "الشركات الصغيرة تدفع الأسهم السعودية إلى ذروة شهر.. تفوقت على القيادية"، يجر الحديث عن تأثير سياسات الاقتصاد إلى حديث عن تطوير مزيد من وسائل لمحاكاة وتقدير ربحية الشركات. وهذا يجر إلى قياس التأثير الواقع على الربحية بسبب التغيرات في عوامل، على رأسها معدلات الفائدة، وأسعار الصرف، كما يجر إلى بحث علاقة ورد فعل سياسات على رأسها سياسات المالية العامة على دورات الأعمال. وطبعا فهم دورات الأعمال مهم جدا لفهم رغبات الناس في الاستثمار، تلعب المالية العامة دورا في خفض حدة الدورات والتذبذبات الاقتصادية. وأجريت في الموضوع دراسات وانتهت إلى أن الإنفاق والدعم والتحولات الحكومية لا تسير في وفاق مع سير الدورات. وعلى العكس، لوحظ أن الضرائب والإنفاق الاستثماري تسير في وفاق مع الدورات. من هذه الدراسات Does the EU encourage private-sector investment؟

الخلاصة، أن الإنفاق الاستثماري للقطاع الخاص والشركات بصورة أدق محتمل بقوة أن يتعرض إلى ضعف في ظروف كرفع معدلات الفائدة. وبعض هذا الضعف متوقع ومفهوم. وهناك عوامل داخلية حكومية وغير حكومية وعوامل خارجية تعمل على تقليل أو زيادة الضبابية أمام من يفكر في الاستثمار. ومطلوب نقاش وبحث يعطينا فهما بصورة أعمق، وعن طرق تبعد أو تضعف معوقات تواجه المستثمرين، خاصة في نشاطات بعينها تمثل أهمية أكبر للناس. معوقات غير مرغوب بها مجتمعيا واقتصاديا، إن المستثمر يتوقع تحقيق حد أدنى من الربح. وإذا رأى معوقات تضعف توقعاته، فالنتيجة ابتعاد عن الاستثمار، ما سبق يقود للحديث عن المطلوب عمله في مختلف الدول لتقليل تأثر الشركات والقطاع الخاص عامة من تقلبات قد تحصل للناتج المحلي والاقتصاد والإنفاق الحكومي و/أو الخاص؟، المطلوب كثير، وتحقيق بعضه صعب، لكن تحقيق معظمه ليس بالصعب في ذاته، بل مطلوب عزيمة مع جودة لتحقيقه. وقبل ذلك مطلوب حسن ظن بالله سبحانه. ولا شك أن أوضاع الاقتصاد العالمي زادت من تأكيد أهمية الموضوع، عالميا هناك مجالات تحفيز وإصلاح كثيرة. والمقام لا يسمح بالتفصيل. أذكر منها تحفيز القطاع الخاص لزيادة استثماراته في قطاعات، ومنها تسهيل نسبي في اقتراض أو حصول المنشآت الصغيرة على المال تحت قواعد وظروف. ومنها تشجيع المشاركة الفنية الأجنبية في السوق المحلية، وتعزيز الخبرات والممارسات ذات الجودة في مجال الإدارة.

باختصار، هناك روابط قوبة بين أوضاع الشركات المالية وأوضاع الاقتصاد، خاصة الكلي، وليس فقط اقتصاد قطاع أو نشاط بعينه. وتبعا هناك روابط بين هذه الأوضاع وما يمكن أن يمر به اقتصاد أي بلد من تحديات. وتبعا مهم جدا ابتكار مناهج تحليلية وأدوات عملية للتعامل مع تلك التحديات. وكلما كانت هذه المناهج والأدوات أكثر جودة، ساعدت صناع السياسات على تطوير وتبني سياسات أكثر جودة. وتبعا تقل مشكلات التحديات وتزيد جودة مراقبة أوضاع الشركات وما تعانيه بعضها من ظروف ضعف، خاصة قبل ظهور أزمات محتملة.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية