منشور منسوب إلى الرئيس الأمريكي ترمب على حسابه في منصة تروث قال فيه: «أقوى إعادة تنظيم للعالم» الذي لا يعد تصريحا عاديا أو عابرا في ظل التطورات الهائلة التي حدثت خلال الأعوام القليلة الماضية وتجري في العالم حاليا، فهي إشارة واضحة إلى أن كل ما تفعله الإدارة الأمريكية الحالية هو ضمن سياق بناء النظام الدولي الجديد الذي تسعى واشنطن لأن تكون القائد فيه والأكثر تأثيرا وأن تبقى متربعة على قمة القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية عالميا لعقود إضافية، مستندة إلى فائض القوة الهائل لديها الذي ما زال يخدمها لتحقيق هذه الأهداف قبل أن تتلاشى الفوارق مع منافسيها، خصوصا الصين والاتحاد الأوروبي وروسيا، إضافة لعامل مهم وهو بقاء الدولار عملة الاحتياط الأولى عالميا.
فهذا التصريح يأتي في وقت بدأت المفاوضات في باكستان بين أمريكا وإيران بعد إعلان هدنة لأسبوعين للحرب التي دامت 38 يوما تم خلالها تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بنسبة كبيرة حسب ما أعلنت أمريكا، إضافة لقصف صناعات مساندة لبرامجها العسكرية وقتل جل قياداتها صاحبة الإرث الكبير في مشروع الثورة، الذي كان يستند إليهم، فأغلب من قتل أعمارهم تتجاوز 60 عاما وهو ما يعني أن أغلبيتهم قام المشروع الإيراني عليهم، الذي يبلغ عمره 47 عاما ولكن مرحلة حرب إيران ليست هي ذروة تشكيل هذا النظام الدولي الجديد، فهي ليست سوى محطة من محطاته.
لكن ما تقوم به أمريكا منذ النصف الثاني لولاية الرئيس بايدن من تحرك بدأ بضرب أذرع إيران التي تستند إليها في مشروعها التوسعي الخارجي وأكمله الرئيس ترمب بقصف مباشر لداخل إيران وتدمير جل مقومات مشروعها، وسبقه فرض رسوم جمركية أمريكية على جميع دول العالم بنسب أعلى من السابق مع اتخاذ إجراءات، بهدف جذب الاستثمارات لأمريكا للعودة للتصنيع وتقليل الواردات وكذلك تعزيز القدرات العسكرية بميزانيات ضخمة، إضافة لحراك جغرافي عالمي لا يهدأ فقد أعلنت واشنطن عن خريطة أمريكا الشمالية الكبرى لتعزيز أمنها القومي بمحيطها الواسع، الذي يشمل حتى غرينلاند والاعتماد عليه بحركة تجارتها الخارجية ومنع اقتراب الصين وروسيا وأوروبا منه، إضافة للتغيير في فنزويلا الذي أعادها لبداية علاقة مع أمريكا أفضل والحديث حاليا عن كوبا وما ستقوم به لمساعدتها.
بمعنى أنها تؤمن محيطها بشكل كبير وتمسح كل مخلفات الحرب الباردة تماما من حولها بداية، وفي مناطق جغرافية عديدة وصولا إلى التركيز بشكل قوي في شرق آسيا ومن خلال كل هذه المجريات فسيكون لها تحالفات جديدة، فالناتو لم يعد يشغلها بل تراه عبئا وهي تريد استبداله بتحالفات أكثر نفعا وأهمية ولذلك سيكون الشرق الأوسط حاضرا بشكل كبير في توجهاتها لعلاقة مشابهة لتلك التي قامت مع أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة للتحوك نحو آسيا الوسطى وكذلك أقصى الشرق لتحجيم الصين ومنعها من التفوق على أمريكا.
النظام العالمي الجديد قائم على الاقتصاد وميدان التنافس فيه ولذلك تتحرك أمريكا لتحقيق مصالح تراها أساسية في إستراتيجيتها الجديدة وما تلميح الرئيس ترمب للانسحاب من الناتو إلا انعكاس بأن دول أوروبا منافسة لأمريكا اقتصاديا ولذلك هو يريد الابتعاد عنهم لكي يرهقهم بتكاليف حفظ أمنهم ويعطل مسيرة النمو الاقتصادي لديهم، لأنهم بنظره ليسوا في حالة تمكنهم من منافسة بلاده حاليا، فهي فرصة لإرباك حساباتهم. أما الصين فهي حالة مختلفة، لكنه يريد أن يضعفها بعدة ملفات أهمها مبادرتها الحزام والطريق ورفع التكاليف على صناعاتها لتقليل تنافسيتها وكذلك لإبعادها عن بناء تحالفات ذات أبعاد متعددة تؤدي بالنهاية لتقليص مكانة أمريكا دوليا، فهل ينجح؟
نقلا عن الرياض

