التحدي والإثارة والخطر

28/12/2021 0
فواز حمد الفواز

مع نهاية العام نشهد تلاقي أحداث مؤثرة ربما في ظروف ومراحل مختلفة لتغيير الخريطة العالمية على أكثر من صعيد. هناك مصطلح يكرر في الغرب يحمل مضامين عنوان العمود you may live in interesting times ترجمتي "عسى أن تعيش في فترة مثيرة"، أو ربما ترجمة شعبية "تعيش وتشوف". يقال إن أصل المصطلح صيني ربما مثل أغلب الأشياء في هذه الحقبة التاريخية لكن هناك خلاف حول مصدره، يوظف عادة بطريقة ساخرة لقول إن الفترات المثيرة مليئة بالتغير والأحداث الخطيرة بينما الأيام المملة أكثر سلاما وهدوءا وراحة بال. هناك عدة ملامح كونية قادرة على تغيير الخريطة العالمية جيوسياسيا واقتصاديا حتى حضاريا. ما يجعل الأمور مثيرة أن نتائج التغيرات يحكمها مقولة أخرى - The law of unintended consequences - قانون النتائج غير المستهدفة حين تتسارع الأحداث. فمثلا حرب بين طرفين للسيطرة العالمية تنتهي بظهور طرف ثالث، أو استفادة طرف ثالث من منافسة اقتصادية بين عدة أقطاب. ليس لدي توقعات نظرا لتعقيد العوامل المؤثرة، لكن تجميع ما أرى أنه تراكم وضغط على المفاصل.

استراتيجيا يكرر الأمريكان مثلا أن الآلة العسكرية لا بد أن تكون جاهزة لخوض حربين في آن واحد، لكن التهديد اليوم قد يكون لثلاثة أو أكثر. فهناك تايوان مع الصين وأوكرانيا مع روسيا وهناك إيران مع الجميع وهناك صربيا مع محيطها من الأقليات المستقلة وكوريا الشمالية وربما آخرون. غالبا ليس هناك تنسيق لكن الظروف الموضوعية لكل واحدة تشهد تحركا وربما يرى البعض فرصة النجاح أعلى في انشغال الخصوم لحل جذري، ما يرفع المخاطر وخطأ الحسابات. يتداخل مع هذه الاحتمالات ديناميك آخر تحدث عنه الفيلسوف والمؤرخ اليوناني ثديدس في وصفه الصراع بين أثينا وسباراتا على الزعامة بأن احتمال الحرب يزيد بصعود قوة جديدة منافسة، نموذج وتشبيه لجأ له كثيرون في وصف صعود الصين وانزعاج أمريكا، وبالتالي تكرار الظاهرة في حرب بين الدولتين. حضاريا هذه الاحتمالات في إطار ما تحدث عنه المثقف الأمريكي المحافظ فرانسس فوكوياما لكن بطريقة عكسية لا تخلو من السخرية. فطرحه حول نهاية التاريخ يقول إن نموذج الغرب الليبرالي انتصر وبالتالي سيسود، لكن مقولته جاءت في الفترة التي بدأت وكان الغرب يبدو متعبا وتحيط به المشكلات وغير قادر على التعامل مع الخصوم بكفاءة وأحيانا مصداقية. آخر ثلاث حروب كبيرة خاضتها أمريكا لم تنته بنصر في فيتنام والعراق وأفغانستان. وأخيرا تحديات الهجرة في أوروبا وأمريكا. لعل مصدر قوة أمريكا المادية غير مادي في تكوين البيئة الصالحة للنمو والإبداع والتعليم والشفافية، لذلك علينا مراقبة هذه العوامل المشكلة وقدرة الآخرين على زرع بيئة منافسة أفضل منها. لكن حتى في دائرة الماديات لا بد من التعامل مع الظاهرة المالية، أغلب الحضارات تنتهي بالديون وتموت بخسارة المركز المالي والاقتصادي. فالدين العام في أمريكا أعلى منه منذ الأزمة المالية العالمية وكذلك في أغلب الدول الغربية. ما زال الدولار حجر زاوية في القوة الأمريكية ما يعطيها مساحة لاستمرار القوة المالية والاقتصادية وليس هناك منافس قريب، لكن من يعرف نتائج ازدياد الدين على خلفية استمرار التيسير الكمي ودوره في عدم المساواة واستفحال الطبقية في الأسبوع المقبل سأتعامل مع تحديات السيولة والديون. لا أحد يعرف احتمال حروب واسعة، لكنه احتمال قائم يجعل من الحقبة والتغيرات في المراكز متعة للمتابعة وخطرا على كثير وتحديا للأغلبية.

 

نقلا عن الاقتصادية