الاقتصاد العالمي بعد كورونا .. إلى أين؟

07/12/2020 0
د.صالح السلطان

الهدف الأهم في الاقتصاد تحقيق نمو مستدام. هذا النمو تحت جائحة لم يشهد مثلها عبر نحو قرن من الزمان. وبحمد الله، تحدثنا الأخبار عن توقعات وإشارات أن الجائحة في نزول تدريجي. نسأل الله السلامة وأن يمن على البشرية.

السؤال التالي فيما لو سارت الأمور، كما هو متوقع الآن، في انتهاء تقريبي للجائحة مع شتاء العام المقبل، فإن عودة الأمور ترتبط بعوامل أهمها نوعية التعاون الدولي، وما يجره من حديث عن البيئة والمناخ والأنظمة المالية والتجارة العالمية. وهناك عوامل أخرى مرتبطة على رأسها التوظيف والدخل ومستويات الدخل والفقر والحوكمة والنزاهة وأنظمة التعليم ومساراتها.

باختصار، الصحة والاقتصاد هل يسيران تجاه استشفاء ينتج نموا راسخا؟

انخفاض نمو في الاقتصاد العالمي بما يساوي 5 في المائة ينتج عطالة تزيد على 150 مليون شخص، ومعها يزيد الفقر. وينتج نقص مال للرعاية الصحية، وهذا يعني تعرض ملايين الأطفال للموت.

من الجوانب غير المرغوبة أن الجائحة جرت إلى تقوقع الدول أكثر من العولمة والتداول العالمي. أنفقت الدول الغنية نحو 11 تريليون دولار لدعم اقتصاداتها في مواجهة تبعات كورونا. لكن الملاحظ وجود صعوبة في جمع أقل من 100 مليار دولار، أي أقل من 1 في المائة مما أنفق على الدعم لجعل اللقاحات متاحة للجميع.

تبنت الأمم المتحدة قبل بضعة أعوام 17 هدفا للتنمية المستدامة أو ما يعبر عنه بالإنجليزية Sustainable development goals

وهنا قائمة مختارة منها:

لا فقر، لا جوع، صحة جيدة، تعليم جيد، ماء نظيف، طاقة نظيفة، وظائف، عدالة وأمان، تحرك للمناخ، باختصار محاولة تحقيق حياة كريمة للبشر. هذه الأهداف رغم أنها حظيت باهتمام شديد من جهات كصندوق النقد الدولي إلا أنها تعرضت لضربة قوية من جائحة كورونا. تبخرت مئات الملايين من الوظائف ومئات الملايين من الأطفال دون مدارس لظروف الفقر وغيره.

ما العمل؟

ما زال قادة البرنامج الأممي للتنمية المستدامة على قناعة بأن تحقيق تلك الأهداف ما زال ممكنا من جهة تقنية ومن جهة مالية، رغم الظروف غير المواتية حاليا. وجرت القناعة إلى التعمق في معرفة وفهم التغييرات المطلوبة لتحقيق الأهداف. بل رأوا أن الجائحة زادت من أهمية العمل نحو تحقيق تلك الأهداف. الكثير من المصارف الحكومية، أي: العامة تنفق الأموال الطائلة سنويا للعمل على تحقيق تلك الأهداف. سواء خصصت ضمن ميزانيات دولها أو خارج الميزانيات العامة. والتوجه لزيادة مساعي تفهم القطاع الخاص بأهمية تحقيق تلك الأهداف. وهذه الأمور حظيت باهتمام شديد من قيادة بلادنا في اجتماعات مجموعة العشرين، خاصة في اجتماع القمة برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.

نقاط أو طرق للتحقيق:

بنية المدن. كيف نجعل المدن عاملا مساعدا في التحقيق؟

تركزت المشكلات الصحية وغير الصحية في المدن، توسعت المدن وجزء من التوسع على حساب تحقيق بعض تلك الأهداف. مثلا نسبة كبيرة من سكان مدن في دول كالهند تعاني مشكلات بنيوية وضعف خدمات بما يصعب تحقيق تلك الأهداف. وضبط تلك المشكلات متعب. أداة أو مفتاح من مفاتيح العلاج الاستثمار في البنية التحتية بما يدعم الاستشفاء من الجائحة وغيرها من أدواء.

تيسير سبل التنقل والمشي للسكان. ولا يخلو تحقيق هذه الأمور من متاعب ومصاعب. ونظرا إلى مشاركة السكان لتفهم المشكلات والمساعدة على تخفيفها. كما طرحت مقترحات لتطوير صناديق مرنة تتبع المدن للمساعدة على فتح باب إضافي لتمويل حلول لمشكلات المدن. أي: إن المصارف التنموية لا تؤسس فقط على أساس القطاع، بل ممكن أيضا تأسيس مصارف تنموية على أساس التجمع السكاني. وطبعا تأسيس هذه المصارف يعني الاعتراف بوجود مشكلات تتطلب مساعدة على التمويل تفوق ما اعتاد البشر عليه.

ما سبق يتطلب تعاونا مثمرا بين الدول. وكونه مثمرا، أي: يقوم على البر والتقوى. وقد خصصت قمة العشرين برئاسة المملكة حيزا كبيرا لبحث هذا الأمر وبيان أهميته. من فوائد هذا النوع من التعاون على المستوى الجماعي أن يسهم في تقليل الآثار الضارة المنتقلة spillover effects بين الدول من جراء تصرفات دول على دول. كما يسهم في استفادة أعلى من السلع العامة public goods. وهذه السلع باختصار هي ما يفشل السوق في توفيرها للناس بسبب طبيعتها. من أوضح الأمثلة الشوارع وأغلب البنية التحتية والمنافع العامة التي تستفيد منها الدول من جراء تزايد الثقة وجودة التعامل.

التغير المناخي قضية جوهرية مهملة في الأعوام الماضية. مزيد تغير مناخي تلوثي يعني زيادة قوة في انتشار الجوائح بصفة عامة مثل فيروس كورونا. ويعني مزيد أضرار في النشاط الاقتصادي.

وخلاف ما سبق، يعاني النظام المالي العالمي مشكلات، وكتب عن هذا كثير. وقد جرت الجائحة إلى زيادة هذه المشكلات عبر تغيرات في حركة المال بما أضر بالاقتصاد العالمي وبالدول الأقل دخلا خاصة.

نظام حقوق السحب الخاصة ونظام صندوق النقد الدولي، على سبيل المثال، بحاجة إلى تطوير. ما التوقعات على برنامج الصندوق؟ هل يحقق الحد الأدنى من النجاح؟ يعتمد على مدى تحقق الأدوات المستخدمة، ومدى التعاون العالمي نحو معالجة مشكلات العالم الاقتصادية. وهناك مثل عربي مشهور وهو "آخر الدواء الكي". وهو مثل ينطبق جزئيا على وصفات لصندوق النقد الدولي لمعالجة مشكلات اقتصادية حادة يعانيها العالم، وبالأخص دول تعد مريضة اقتصاديا. حيث يلجأ الصندوق إلى الكي.

أخيرا: جانب التعليم في الدول بحاجة إلى مزيد عناية لتطويره. لوحظ في بداية هذا العام وقبل جائحة كورونا أن مئات الملايين من الطلبة غادروا مدارسهم قبل تحقيق ما التحقوا بالمدرسة لأجل تحقيقه. هناك تفهم كبير بأن نوعية التعليم بحاجة إلى تطوير بما يعطي فرصة أعلى كثيرا في تزويد الطلاب بمهارات يفتقدونها. ربما لم نشعر بقوة هذه المشكلة في بلادنا بسبب اعتمادنا المفرط على الاستقدام.

والموضوع طويل والمقام لا يتسع لمزيد تفصيل فيه.

 
 
نقلا عن الاقتصادية