كيف أصبحت المشاعر مؤشرات اقتصادية؟

30/08/2020 0
د. خالد رمضان عبد اللطيف

ليس الاقتصاد علماً جامداً كما يصفه بعض المصابين بداء "الرهاب الاقتصادي"، أو الخائفون من فزعة الأرقام، إذ لا يدخر عالم المال والأعمال جهداً في تقييم انتعاشة أو بؤس المشاعر الإنسانية وتأثيرها على حسابات الأرباح والخسائر، ولهذا شاعت مؤخراً مصطلحات مثل "معنويات المستهلكين"، و"ثقة المستثمرين"، وباتت تتداول على نطاق واسع في الصحافة والقنوات الاقتصادية، باعتبارها ضمن أهم المؤشرات الاقتصادية، ومحرك أساسي في الاقتصاد العالمي، لدرجة أن المستثمرون أصبحوا يترقبون هذه المسوح الميدانية لاستشراف المستقبل، ووضع الخطط الاستراتيجية والاقتصادية على أساسها.

يعتبر مؤشر "ثقة المستهلكين" بجامعة ميشيجان الأمريكية، والذي أطلقه في أربعينيات القرن الماضي البروفيسور جورج كاتونا، الأشهر عالمياً في متابعة هذه النوعية من المسوح الاقتصادية، ويتكون من 500 مقابلة هاتفية على الأقل تطرح على شريحة مختلفة من المستهلكين كل شهر، وتستطلع آرائهم بشأن أوضاعهم المالية الشخصية، فضلا عن الحالة القصيرة الأجل

والطويلة الأجل للاقتصاد الأمريكي، ويحتوي كل استبيان على حوالي 50 سؤالا أساسيا، وهذا المؤشر مهم لتجار التجزئة والاقتصاديين والمستثمرين، وقد ساعد ارتفاع المؤشر أو هبوطه تاريخيا في التنبؤ بالتوسع الاقتصادي أو الانكماش في أكبر اقتصاد عالمي.

بالرغم من وجود العديد من الاستطلاعات الأخرى المتعلقة باستبيان الحالة المعنوية للزبائن، إلا أن المسح الشهري لجامعة ميشيجان يكتسب أهمية كبرى لدى الاقتصاديين، إذ يعكس ما يشعر به المستهلكون من تفاؤل أو إحباط، فالتفاؤل يجعلهم أكثر ميلًا إلى الإنفاق، مما يدعم النمو الاقتصادي، بينما تعد المعنويات المحبطة إشارة سلبية للأسواق وللنمو، خاصة وأن تقييمات المشاركين في المسح تستند بصفة أساسية على ظروفهم المالية المستقبلية، قياساً على معدلات البطالة، والتضخم، وأسعار الفائدة والمنازل والسيارات والسلع الاستهلاكية والرأسمالية والخدمات، وأرباح الأسهم، ولهذا تعتبر هذه الاستطلاعات مؤثرة بشكل كبير على أسواق التجزئة والعملات والمعادن والأسهم.

يمكن أن نلاحظ بشكل عملي تأثير المشاعر السلبية على الاقتصاد العالمي خلال النصف الأول من العام

الجاري، حيث تؤكد كافة المسوح، التي أجريت في الغالب عبر الإنترنت بسبب الإغلاقات، أن ثقة المستهلكين، القوة الفاعلة في الاقتصاد العالمي، سجلت هبوطا قياسيا خلال الربع الثاني، وهي الفترة التي شهدت ذروة التداعيات الكارثية لتفشي فيروس كورونا، وتأسيساً على تلك المؤشرات الإنسانية التي ترتدي ثوب الاقتصاد، فإن التعافي الاقتصادي من عدمه، يبقى مرهوناً بمعنويات المستهلكين، بالإضافة إلى أن مديري الأعمال "المتفائلون" هم الأكثر جاهزية لتحقيق أفضل النتائج وأعلى الأرباح، والأكثر من ذلك أنهم يترجمون انتعاش معنوياتهم من خلال الأداء الإيجابي لمرؤوسيهم، مما يعزز الإنتاج، ويدعم أنشطة الشركات.

يتحكم الشعور بالخوف أو الثقة بشكل أو بآخر في حركة تداولات الأسواق، واتجاه الأموال، سواء من حيث الاستثمار في الأسهم، أو الذهب، أو العملات، أو غيرها، ويحدد مقدار الخوف والقلق وصولاً إلى الفزع أين سيتم استثمار الأموال، وقد دفع ذلك ببعض الباحثين في علم الاقتصاد إلى استحداث فرع جديد أطلق عليه "الاقتصاد السلوكي" والذي يستهدف السيطرة على مشاعر المستهلكين أو المستثمرين لاتخاذ القرار الاقتصادي الملائم، حيث يهتم هذا الفرع الحديث نسبيًّا

في علم الاقتصاد بدراسة السلوك البشري، وإعادة صياغة النظرية الاقتصادية على أساس واقعي سليم، بغرض منع الأزمات الاقتصادية والفقاعات المالية في المستقبل.

يعد التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) 2017، علامة تاريخية فارقة لعلم الاقتصاد السلوكي، بعد أن فاز العالم الأمريكي ريتشارد ثالر الأستاذ بجامعة شيكاغو بجائزة نوبل للاقتصاد، لابتكاره نظرية "التنبيه" التي تستهدف تصحيح النواحي غير العقلانية في سلوك المستهلكين والمستثمرين على السواء، عبر تقليص الهوة بين الاقتصاد وعلم النفس، وقد بحث ثالر في الأسباب التي تدفع بالأشخاص إلى الاختيارات السيئة أو غير العقلانية في قراراتهم الاقتصادية.

تنصب عبقرية البروفيسور ثالر، وهو أحد الآباء المؤسسين للاقتصاد السلوكي، في لفت الانتباه بقوة إلى ما يمكن تسميته بـ "أنسنة الاقتصاد"، أو بعبارة أخرى، إضافة مزيد من الصبغة الإنسانية علي التوجهات الاقتصادية، عبر توظيف أدوات علم النفس ونتائجه لجعل التصرفات المالية للأشخاص أكثر مواءمة مع كل ما هو اقتصادي، وبهذا شيدت مساهماته جسرًا مهماً بين التحليلات الاقتصادية والنفسية لعملية اتخاذ القرار

الاقتصادي، وهكذا أضحت المشاعر الإنسانية مؤشرات اقتصادية لا يمكن إهمالها.

 

خاص_الفابيتا