ميزانية الكويت والاستدامة

04/02/2020 6
فواز حمد الفواز
ينعم المواطن الكويتي بمستوى عال من الرفاهية بسبب دخل حكومي عال وعدد سكان صغير نسبيا يزيد على المليون بقليل وحكومة أخذت من الرفاهية سياسة عامة منذ أصبح دخل النفط يسمح بذلك على الأقل منذ بداية السبعينيات. مصدر تمويل الرفاهية ميزانية الحكومة لذلك حين أعلنت ميزانية 2020/ 2021 بعجز يصل إلى 9.2 مليار (30.36 مليار دولار)، تقدر المصروفات 22.5 مليار ( د ك) والإيرادات 14.8 مليار (د ك)، بزيادة على عجز 2019/ 2020 بنسبة 11.2 في المائة بمنزلة إنذار مالي بتبعات اقتصادية. لم تحقق الميزانية الكويتية أي فائض منذ 2015/2014 آخر فائض كان خمسة مليارات (د ك) للعام المالي 2014/2013 (العام المالي ينتهي بنهاية شهر مارس).

العجز المتراكم في الأعوام الستة الماضية والمتوقع في هذه الميزانية أن يصل إلى 40.1 مليار ( د ك)، (133.53 مليار دولار)، يعد عاليا حتى قياسا على الرصيد المتوافر وحجم الاحتياطيات. حقق العجز في آخر عامين ارتفاعا ملحوظا رغم أن اسعار النفط كانت نسبيا مستقرة، ليست الأسباب واضحة عدا أن هناك توقعا بنقص في دخل النفط ربما بسبب اتفاقية "أوبك" لأن أسعار النفط المعلنة في الميزانيتين الماضية والحالية لم تتغير عند 55 دولارا، وأيضا بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج بنسبة 8.8 في المائة، يشكل النفط 87.3 في المائة من موارد الميزانية والبقية من موارد غير نفطية دون تفاصيل، غالبا جمارك وبعض الرسوم؛ إذ إن الكويت لم تطبق الضريبة المضافة على سبيل المثال.

تشكل الرواتب والدعم 71.3 في المائة من الميزانية (الرواتب نحو 12 مليار ( د ك)، تفصل الميزانية هذا البند إلى ثلاثة أجزاء: الأول بنسبة 63.7 في المائة رواتب موظفي الحكومة ومؤسساتها، و18.4 في المائة مساهمة الخزانة في التأمينات الاجتماعية والبقية تعويضات عاملين أخرى)، والاستثمارات الرأسمالية 16 في المائة والبقية مصروفات عامة. كذلك تفصل الميزانية تركيبة الدعم، إذ نحو 51 في المائة منه للطاقة والوقود، و20 في المائة تعليم، و10 في المائة للإسكان، و9 في المائة دعم اجتماعي. يبدو أن تركيبة المصروفات وربما الدخل لم تتغير كثيرا منذ عقود، هناك حالة مالية مريحة سمحت بالاستمرار بنموذج اقتصادي له خصائص أصبحت معروفة.

تذكر الميزانية أن نقطة التعادل لتوازن الميزانية 81 دولارا، بينما أغلب التوقعات لأسعار النفط تراوح بين 60 و70، لذلك من المتوقع أن يستمر العجز في المدى المنظور في ظل غياب إصلاحات جذرية (تقليص الدعم وتحجيم الرواتب ورفع إيرادات الحكومة غير النفطية). رغم متانة الوضع المالي للحكومة في ظل صندوق سيادي ضخم واحتياطيات مالية عالية كما تعبر عنها وكالات التصنيف الائتماني العالمية إلا أن الحالة غير قابلة للاستدامة بسب العجز الضخم إلا في حال تغير مؤثر في أسعار النفط في الأعوام القليلة المقبلة.

حالة الرفاهية تعبير عن الطابع المالي للاقتصاد الكويتي أسوة بمثيلاتها من الدول التي تعتمد على النفط كمورد أساس. هذه الصوره المالية حافظت أو ربما سمحت للعوامل الاقتصادية بالتفاعل تحت سطح مالي سميك على الأقل في الحالة الكويتية دون محاولة جادة لتحقيق إصلاحات جذرية، ورب قائل إن حالة التكيف أسهل طريق، إذ تختلف الدول النفطية حسب حجم السكان واختلاف الدخل والكفاءة ودرجة الاعتماد على الوافدين وثمة عوامل أخرى. تراكم العجز المالي الكبير يهدد برفع الغطاء المالي السميك في الكويت لذلك لا بد من إصلاحات استباقية جذرية سبقت الكويت فيها بعض دول مجلس التعاون بدرجات متفاوتة. ربما الإصلاح في الكويت أصعب من غيرها لأن الرفاهية أقدم، وليس أقوى من العادة خاصة أن سبق أسعار النفط من الانخفاض ومن ثم الرجوع، وأيضا ربما ثمة عوامل اجتماعية سياسية داخلية وأحيانا جغرافية تجعل توقيت الإصلاحات في الكويت صعبا.

تغيرت أساليب التجارة ويصعب أن تكون الصناعة خيارا واعدا لسوق صغيرة لذلك لا بد للكويتيين من التوصل إلى نموذج جديد. في الأخير لدى الكويت المال وما زال مستوى الدين العام أقل من 20 في المائة من الدخل القومي الإجمالي، ربما الأقل بين دول مجلس التعاون. ستستمر الكويت في حالة من الرخاء لكن إذا استمر العجز ستضيق النافذة تباعا.

نقلا عن الاقتصادية