الجامعات والمساهمة في التنمية المستدامة 1

04/04/2019 2
مازن القرني

تسعى كثير من الدول إلى رفع مؤشراتها الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة، الذي لا يقتصر بمفهومه على النمو في المؤشرات الاقتصادية الأساسية كالناتج المحلي الإجمالي أو التوظيف أو متوسط دخل الفرد فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى جعل هذا النمو مستداما ولا يؤثر سلبا على البيئة. فالتنمية المستدامة كما في العرف الاقتصادي هي عملية تطوير الأرض والمدن والبشر بطريقة تلبي احتياجات الحاضر وتدوم للأجيال القادمة، وتقوم على ركائز ثلاث وهي تحقيق النمو في المؤشرات الاقتصادية أولا، وحفظ الموارد الطبيعية والبيئية ثانيا، والركيزة الثالثة هي تحقيق التنمية الاجتماعية عبر تنمية الإنسان وتوفير احتياجاته الأساسية.

هناك بلا شك عدة جهات تقوم بتأدية الأدوار اللازمة لتفعيل التنمية والتحقق من استدامتها، ولعل من أبرزها وأهمها هي المنظمات التعليمية وعلى رأسها الجامعات، فالجامعات نشأت لتقوم بعدة أدوار رئيسية تقود بالضرورة إلى آثار اقتصادية واجتماعية تسهم في تحقيق النمو المستدام.

فالجامعات تقوم بالمساهمة في عملية التنمية من خلال عدة أدوار على رأسها دور التعليم والتدريب، فالتعليم وتزويد الطلاب والمجتمع بالمعرفة هو أهم عملية تقوم بها الجامعات وهي المهمة الرئيسية التي أنشئت من أجلها، ويضاف لها مهمة التدريب وذلك بتزويد الطلاب بالمهارات اللازمة في مختلف متطلبات الحياة وفي سوق العمل تحديدا.

الدور الرئيسي الثاني هو البحث العلمي وهو ركن أساسي من أركان العملية التعليمية فهو يساهم بتزويد المجتمع بأحدث المعارف والتجارب والنظريات ويسهم في حل مشكلاته المعقدة والمتراكمة، وتنفق الكثير من الدول جزءا ثابتا من ميزانياتها على مراكز الأبحاث والتطوير لمعرفة تلك الدول وإيمانها بالدور الذي تساهم به في عملية التنمية.

الدور الثالث الذي ينبغي أن توليه الجامعات الاهتمام وهو ما أشار إليه عدد من خبراء التعليم العالي باسم الوظيفة الثالثة وهو دور خدمة المجتمع، وأهم أعمال هذا الدور هو توفير المعرفة لأفراد المجتمع، وذلك من خلال إقامة المؤتمرات العامة والدوارات التدريبية لهم، وإتاحة مصادر المعلومات والمعرفة للمختصين والباحثين من خارج الجامعة.

 الدور الرابع هو دعم الابتكار، وهو دور أساسي منوط بالجامعات وذلك من خلال المناهج والورش التدريبية التي تدرب على التفكير الإبداعي والابتكار، وكذلك من خلال المحاضن الريادية التي تساعد على تحويل هذه الأفكار إلى مشاريع تجارية وخدمية، ومن الأمثلة الموجودة لدينا لمحاضن الأعمال معهد ريادة الأعمال بجامعة الملك سعود، وسحابة الإمام بجامعة الإمام، والتي خرج من حاضناتها عدد من المشاريع للسوق، وغيرها من محاضن الأعمال الموجودة في مختلف الجامعات.

وهناك دور إضافي من المهم أن تقوم به الجامعات وهو توفير الكوادر الأكاديمية المؤهلة لخدمة مختلف القطاعات المختلفة،  فالجامعات تزخر بعدد كبير من الأكاديميين والخبراء، ولديها الكثير من العقول في مختلف المجالات التي ربما لا تكاد تتوفر لدى جهات أخرى، والذين من الممكن أن يقوموا بالدور الاستشاري اللازم كافة الجهات عندما تتطلب الحاجة وذلك من خلال المشاركة في عضويات مجالس الإدارات، أو تأسيس وقيادة المنظمات، والأمثلة كثيرة على قيادات حكومية وأهلية خرجت من رحم الجامعات، فالجامعات تعتبر بيت خبرة تضم الكثير من الباحثين والمؤهلين للمساهمة في عملية التنمية المنشودة.

هناك عدة مؤشرات لقياس مستوى التقدم في هذه الأدوار ودرجة مساهمته في علمية التنمية والتي أشير إلى بعضها في كتاب الوظيفة الثالثة الصادر عن وكالة وزارة التعليم للتخطيط، منها على سبيل المثال لا الحصر:

أعداد الطلاب الخريجين ونسبة الموظفين منهم – عدد الأبحاث العلمية المحكمة التي نشرها أعضاء هيئة التدريس - عدد المشاريع التي أخرجتها الحاضنات – عدد براءات الاختراع الحاصلة عليها الجامعة – عدد الأكاديميين المشاركين في مجالس الإدارات الحكومية والأهلية – عدد الدورات والمؤتمرات المقدمة للعامة والمختصين خارج الجامعة – وغيرها من المؤشرات.

إن قيام الجامعات بالأدوار الأساسية المنوطة بها تساهم إلى حد كبير في دفع عجلة التنمية وضمان استدامتها، ولا يتأتى ذلك إلا بالوعي بأهمية هذه الأدوار وآثارها على المدى البعيد وعلى الأجيال القادمة، وكذلك تمكين الجامعات من خلال الأنظمة والقوانين والمحفزات من تأدية هذه الأدوار، وإزالة جميع العوائق اللازمة عن أداء تلك الأدوار.

نكمل في المقال اللاحق – إن شاء الله – الآثار الاقتصادية والتنموية من إنشاء الجامعات وقيامها بالأدوار المنوطة بها ...

خاص_الفابيتا