حلول التمويل مقابل تشوهات العقار

13/03/2019 3
عبد الحميد العمري
يمثل المضي قدما في حلول التمويل العقاري، أمرا إيجابيا ضمن ضوابط واشتراطات، تعلو أهميتها أي اعتبارات أخرى، من أهم تلك الضوابط اللازمة؛ أن تقدم حلول التمويل وسط بيئة سوق عقارية لا تعاني أي تشوهات كاحتكار واكتناز الأراضي، ولا تعاني ارتفاع كعب المضاربة عليها، ذلك أن أي حلول للتمويل العقاري، يتم ضخها دون قيد أو شرط في ظل وجود مثل تلك التشوهات الكأداء الكامنة في السوق العقارية، فإن ذلك يشبه تماما أن تسكب البنزين على نيران مشتعلة!

أول وأخطر نتيجة؛ ستكون اشتعال الأسعار السوقية وارتفاعها، الذي يعني بدوره ارتفاعا قسريا لتكاليف تملك الأراضي والوحدات السكنية على كاهل المستفيدين، ويعني أيضا ارتفاع تكلفة التمويل العقاري على المقترضين، ودخول موجة صاعدة من تضخم الأسعار السوقية، سيكون لها آثار سلبية تتجاوز حدود السوق العقارية، إلى جميع قطاعات ونشاطات الاقتصاد الوطني. عدا أنه يعني قبل كل ذلك دفاعا في غير محله عن "نتائج سلبية" لتشوهات سابقة "احتكار، مضاربة" سيطرت طوال عقود مضت على مقدرات السوق، وأسهمت بدرجة كبيرة في صناعة مشكلة صعوبة تملك المساكن لدى عموم أفراد المجتمع، وأسهمت أيضا في ارتفاع تكلفة الإيجارات السكنية والتجارية على حد سواء.

لا يوجد أي مقارنة بين السرعة القصوى التي وصلت إليها حلول التمويل العقاري من جانب، ومن جانب آخر الحلول المتعلقة بالقضاء على تشوهات السوق العقارية بدءا من استمرار احتكار واكتناز الأراضي، وصولا إلى استمرار تمتع ذراع المضاربات على الأراضي بقوتها وعافيتها. الفارق بين السرعتين كالفارق بين سرعة الأرنب والسلحفاة، ورغم أن السيناريو الكرتوني المعروف؛ منح الفوز في نهاية السباق لمصلحة السلحفاة الجادة في سباقها، على حساب الأرنب المستهتر بخصمه، إلا أنه بكل تأكيد النتيجة النهائية للسباق في سوقنا العقارية المحلية، ستأتي بالضربة القاضية لمصلحة "المستفيد" من السرعة القصوى لحلول التمويل العقاري، وهو هنا الجانب المتمثل في ملاك الأراضي والمساكن حصرا، التي ستأتي على حساب المقترضين ومتملكي تلك الأراضي والوحدات السكنية بتكاليف وقروض مرتفعة جدا.

الأمر لا يقف عند مجرد ارتفاع تكلفة تملك مسكن من طرف فرد مستفيد، أو ارتفاع تكلفة تمويله عقاريا، رغم المحاذير الكبيرة من تورط الأفراد في تعاقدات كهذه، سبق الحديث عنها هنا في مقالين سابقين بالعنوانين التاليين "علاقة الأجور والقروض بالاستقرار الاقتصادي - تملك المسكن .. بزيادة القروض أم بخفض الأسعار؟"، بل تتجاوز كل ذلك إلى الإضرار الشديد بالاستقرار الاقتصادي، كان من أبرز وأهم تلك الأضرار أربعة منها على سبيل المثال لا الحصر، التي تتطلب جهودا واسعة ومتكاملة للحد من آثارها اقتصاديا وماليا واجتماعيا، سبق استعراضها في مقال سابق.

أولا: إن منشآت القطاع الخاص تواجه كثيرا من التحديات المرتبطة بالإصلاحات الهيكلية للاقتصاد الوطني، تلتقي أغلبها عند ارتفاع كثير من بنود التشغيل والإنتاج "رسوم العمالة والبلدية وغيرها من الرسوم، أجور العمالة الوطنية، تكلفة استهلاك مصادر الطاقة، ضريبة القيمة المضافة، ضريبة الدخل على الطرف الأجنبي.. إلخ"، وهي الإصلاحات الاقتصادية البالغة الأهمية لأجل الانتقال بالاقتصاد الوطني إلى الوضع المستهدف له وفقا لـ"رؤية المملكة 2030"، التي ستضعه على أرض أكثر صلابة وثباتا واستقرارا بعيدا عن الاعتماد المفرط الذي كان عليه طوال عقود طويلة مضت، وتؤهله فعلا لزيادة الإنتاج وتنويع قاعدته الإنتاجية، ويعد القطاع الخاص هنا هو العصب الأهم والأكبر لنجاح هذا الهدف الاستراتيجي، والمعول على اضطلاعه بتلك المهام والمسؤوليات التي لا يقبل النقاش حولها.

ثانيا: ينتظر من منشآت القطاع الخاص أن تتكامل جهودها مع الجهود الحكومية في مواجهة أحد أكبر التحديات التنموية، التي نواجهها اليوم ممثلا في تحدي البطالة بين المواطنين والمواطنات، وكما أظهرت البيانات الرسمية الأخيرة أن جهود تلك المنشآت جاءت أدنى من المأمول بدرجة كبيرة، على مستوى خفض معدل البطالة، ولعل ما تقدم ذكره في الفقرة السابقة يوضح جزءا كبيرا من الأسباب التي حدت من قدرة القطاع الخاص على هذا المسار، ويؤكد أيضا أن نجاحا وتقدما ملموسا في هذا الاتجاه من شأنه أن يحدث فوارق كبيرة جدا، تؤهل منشآت القطاع الخاص وتدعمها في اتجاه رفع قدرتها على التوطين بشكل أقوى وأكثر فاعلية، بمجرد انخفاض فاتورة التكلفة العقارية عن كاهلها.

ثالثا: سيسهم استمرار انخفاض التكلفة العقارية "شراء، إيجار" على المواطنين بدرجة كبيرة في تحسن مستوياتهم المعيشية، ويزيد من قدرتهم على الإنفاق المحلي، ويسهم بدوره في زيادة معدلات النمو الاقتصادي.

رابعا: سيسهم استمرار انخفاض التكلفة العقارية "شراء، إيجار" عن كاهل الحكومة، في جنيها كثيرا من المكاسب، لعل من أبرزها انخفاض نفقاتها على دفع إيجارات مقارها المستأجرة، التي تفوق وفقا لأحدث البيانات الصادرة نسبة 65 في المائة من مبانيها، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من ترشيد الإنفاق الحكومي، الذي سيسهم بدوره في خفض العجز المالي الحكومي، ومن جانب آخر سيغنيها عن زيادة بنود الإعانات الحكومية المرتبطة بجانب السكن وخلافه.

هل من شك في اختلاف تكلفة حلول تجاوز مشكلة تملك المساكن لدى أفراد المجتمع، ورفع نسب تملكهم لها بحلول 2020، بين أن تتحقق بما تتجاوز تكلفته الإجمالية عدة تريليونات من الريالات؟ أو أن تأتي تلك التكلفة أدنى من 1.0 تريليون ريال؟! إنه فارق كبير جدا بين التكلفتين، فالتكلفة الأولى الباهظة الثمن (عدة تريليونات كأثمان الأراضي والمساكن، وكقروض عقارية هائلة)، سيذهب ريعها حصرا إلى الطرف المستفيد من تضخم أسعار الأراضي والعقارات "الشريحة الأقل عددا"، بينما سيتحمل أعباءها الباهظة أفراد المجتمع كافة والاقتصاد الوطني، ويتحمل مخاطرها بالكامل القطاع التمويلي الذي يمثل القلب النابض للاقتصاد الوطني!

بينما التكلفة الثانية، التي لا تتجاوز أرقامها سقف تريليون ريال، ستكون عوائدها المجزية لمصلحة الاقتصاد الوطني عموما، ولنشاطه ونموه المستدام، وللقطاع التمويلي دون مخاطر مرتفعة، وللشريحة الأهم سكانيا وهم عموم الأفراد الباحثين عن تملك مساكنهم بأقل تكلفة، وأقل حجما من القروض العقارية، فيما سيكون الطرف المتضرر-إن وجد ضرر- الشريحة الأقل عددا ممثلا في ملاك الأراضي والعقارات السكنية، علما أن فرصتهم بتعويض أي خسائر محتملة قائمة في الأجلين المتوسط والطويل، على العكس تماما من الضرر المحتمل أن يصيب المتضرر في حال تحقق التكلفة الأولى "الاقتصاد، وأفراد المجتمع، والقطاع التمويلي"، وتتضاءل تماما أي فرص مستقبلية لتعويض تلك الأضرار التي قد تصيبهم لا قدر الله.

لا بد أن يعاد تقييم المخاطر التي نحن في مواجهتها، جراء تفاوت سرعة حلول الخروج من مشكلة تملك المساكن، والعمل فورا على انسجام وتزامن تلك الحلول عند التنفيذ، وتضييق أي فجوات قائمة أو محتملة بينها، حماية بالدرجة الأولى لمقدرات البلاد والعباد، كونها الاعتبار الأول والأخير الذي يجب أن يمثل أمام الأجهزة المعنية كافة، بمعالجة مشكلة صعوبة المساكن الراهنة. والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية