مقتطفات جميلة من كتاب "حياة في الإدارة" للدكتور "غازي القصيبي"

17/08/2010 17
حسان بن عبدالله علوش

عندما كنت طالبا في الجامعة بالرياض وفي عام 2001 تحديدا طلب منا الأستاذ الفاضل الدكتور "حافظ المدلج" قراءة كتاب "حياة في الإدارة" للدكتور "غازي القصيبي" رحمه الله، وألزمنا مشكورا بكتابة نبذة عن الكتاب يتأكد من خلالها أن الطالب قد قرأ الكتاب كاملا.

للوهلة الأولى قد يتذمر العديد من الطلاب من التكليفات المتعددة والواجبات، (وربما كنت منهم أحيانا)، ولكن وبعد أن قرأت الكتاب كاملا شعرت بسعادة كبيرة لأني أُلزمت بقرائته، فهو تحفة إدارية علمية رائعة، فتحت ذهني وذهن العديدين للإدارة المتطورة وسعة الأفق والحكمة في التعامل وتطوير الذات والغير، واكتساب المهارات وتعلم الجديد.

الكتاب رائع بما تحوي الكلمة من معنى، ولأن مؤلفه رحمه الله توفي قبل يومين، فقد رأيت أن أنقل مقتطفات جميلة من هذا الكتاب، ليطلع عليها من لم يقرأه.

تتضح عدة محاور في الكتاب، تتركز فيها الأفكار، وأهمها: الحرب على الروتين والبيروقراطية والفساد، وضرورة تفعيل الإدارة المتطورة بأقسامها: التخطيط والتنفيذ والتطوير والرقابة.

يقول الكاتب "رحمه الله" عن فترة عمله عميدا لكلية العلوم الإدارية : "الدرس الكبير الذي تعلمته من تلك التجربة وهو درس أوصي كل إداري ناشئ أن يضعه نصب عينيه طيلة الوقت، هو: لا تتعامل مع أي موقف دون أن تكون لديك الصلاحيات الضرورية للتعامل معه".

ويقول: "هناك ثلاث صفات لا بد من توفرها في القائد الإداري الناجح، الأولى صفة عقلية خالصة وهي القدرة على معرفة القرار الصحيح، والصفة الثانية المطلوبة: النفسية وهي القدرة على اتخاذ القرار الصحيح، فإذا كانت الحكمة جوهر الصفة الأولى فالشجاعة هي روح الصفة الثانية، والصفة الثالثة المطلوبة وهي مزيج من الصفة العقلية والصفة النفسية، هي القدرة على تنفيذ القرار الصحيح". (بتصرف: نقاط متفرقة مشروحة)

ويقول: " الإنسان الذي يعرف نقاط ضعفه يملك فرصة حقيقية في تحويلها إلى نقاط قوة".

ومن الطرائف في الكتاب قصة حصلت للمؤلف عندما كان وزيرا للكهرباء، يقول عنها: "كنت أثناء الانقطاعات الكبيرة (للكهرباء) في الرياض أتوجه إلى مقر الشركة وأشارك موظفي السنترال تلقي الشكاوي الهاتفية، ذات ليلة، اتصل مواطن غاضب وقال وهو يصرخ: "قل لوزيركم الشاعر أنه لو ترك شعره واهتم بعمله لما انطفأت الرياض كلها"، قلت ببساطة: شكرا وصلت الرسالة !. قال: ماذا تعني؟ قلت: أنا الوزير. قال: احلف بالله ! قلت: والله ! . كانت هناك لحظة صمت في الجانب الآخر قبل أن تهوي السماعة.

ويقول رحمه الله عن طلب النجاح: "إذا كنت تريد النجاح فثمنه الوحيد سنوات طويلة من الفكر والعرق والدموع".

وفي خضم حديثه عن الفترة التي تولى فيها منصب وزير الصحة ، يقول: ... الممرضة التي أعطتني رسالة، حسبيتها معروضا، وتبين أنها رسالة غرام تحمل رقم هاتفها (حدث هذا مرتين أو ثلاث ! ) هل يمكن أن أرد عليها بشيء سوى تذكرة الطائرة التي تعيدها من حيث أتت؟ متعهد الأدوية الذي قدم للوزارة مضادات حيوية أثبت الفحص المخبري أنها خالية من أي مادة فعالة، هل كان المفترض أن أبني له نصبا تذكاريا على هيئة حقنة عند مدخل الوزارة؟ والمتعهد الآخر الذي جاء بمصل ضد السموم وتبين أنه ماء زلال، هل يتوقع مني شهادة تقديرية؟ لم أكن أبحث عن تجاوزات، ولم يكن يسرني وجود التجاوزات، ولكن كان لا بد أن أتصرف والتجاوزات تمد أمامي أعناقها وأحيانا تدخل أصبعها في عيني.

مع كل قرار تأديبي يصدر كان هناك عدو يولد (أو عدوة). بمرور الأيام أصبح هنك جيش من الأعداء يستخدم كل الأسلحة والأسلحة غير المشروعة بوجه خاص.

وآخر ما أورده من هذه المقتطفات حول تجربته مع متابعة إسعاف الحجيج في المشاعر المقدسة، حيث كان بعض الحجيج يفترشون الطرق المؤدية للمستشفيات والمراكز الصحية ويمنعون بالتالي وصول سيارات الإسعاف لبوابات الطوارئ، ورفض بعضهم طلبه المباشر بالتنحي عن الطريق، يقول: "قلت لهم إني سأقود سيارة من سيارات الإسعاف بنفسي وسأتجه إلى المدخل وإذا قرروا البقاء تحت العجلات فهذا شأنهم وحدهم. ذهبت بالفعل إلى سيارة إسعاف وقدتها باتجاه المدخل، عندما أصبحت على بعد ثلاثة أمتار أو أربعة من المجموعة بدأ أفرادها يتقافزون ويركضون ولم يبق أحد أمام المدخل، كنت أقود السيارة ببطء شديد وكنت بطبيعة الحال أنوي التوقف قبل أن أصل إليهم إذا لم يتحركوا ولكنهم صدقوا التهديد. هنا نصيحة للإداري الناشئ: لا تستعمل سياسة "حافة الهاوية" إلا في الضرورة القصوى ولا تتردد إذا تطلبت الضرورة القصوى استعمالها، وإياك أن تنزلق من الحافة إلى الهاوية !.

هذا ما أحببت أن أنقله في هذا الصفحة، حيث الكتاب مليء بالتجارب والخبرات والدروس الإدارية والعملية، والطرائف أيضا، وهو ورغم سرده بدون عناوين داخلية وبدون أقسام وأبواب يشدك لقرائته وإكماله حتى آخر كلمة .. فرحم الله مؤلفه "غازي القصيبي" المدرسة الإدارية الناجحة.