أزمة المياه الخفية في صناعة الورق

15/09/2026 0
د. إبراهيم بن محمود بابللي

كثيرون منّا – وكنتُ أنا منهم – يعتبرون الورق مادة صديقة للبيئة، فهو قابل للتحلل والتدوير، ومصدره الأشجار التي تُزرَع من جديد. لكن خلف كل رزمة ورق، وكل صندوق كرتوني، تكمن واحدة من أكثر الصناعات استهلاكاً للمياه على وجه الأرض، وهي عبءٌ على الموارد المائية نادراً ما يلتفت إليه أحد.

إن صناعة الورق تعتمد اعتماداً كبيراً على المياه، إذ تدخل المياه في 85% من عمليات الإنتاج، مثل: طبخ رقائق الخشب لتتحول إلى عجينة، وغسلها وتَبييضها، ثم عصرها وتجفيفها. وفي الولايات المتحدة، يستهلك إنتاجُ طنٍّ واحدٍ من الورق نحو 65 متراً مكعباً من المياه، أي ما يكفي لملء مسبح منزلي متوسط الحجم.

أما عالمياً، فتستهلك هذه الصناعة نحو 91 مليون متر مكعب من المياه يومياً، أي ما يتجاوز 33 مليار متر مكعب سنوياً في العمليات المباشرة داخل المصانع وحدها، هذا دون حساب الأثر المائي لسلسلة التوريد كاملة، بما في ذلك مياه الأمطار التي تروي الغابات. وتستأثر منطقة آسيا والمحيط الهادئ وحدها بما يقارب نصف هذا الاستهلاك العالمي، تليها أوروبا وأمريكا الشمالية. وإذا علمنا أن القطاع الصناعي بجميع فروعه مسؤول عن نحو 12% من إجمالي السحب المائي العالمي بحسب تقديرات الأمم المتحدة، اتضحت لنا حصة صناعة الورق الكبيرة نسبياً ضمن هذا الاستهلاك. إن هذه الأرقام كفيلة بقرع جرس الإنذار، نظراً لأن هذه الصناعة تنافس على موارد محدودة من المياه الصالحة للاستهلاك البشري والزراعة، وللاستخدام في هذه الصناعة.

هناك مشكلة حقيقية في تحديد استهلاك المياه تحديداً دقيقاً، فهناك غموض إحصائي يُصَعّبُ من تحديد الرقم الإجمالي عالمياً، لأربعة أسباب رئيسة:

•الخلط بين السحب والاستهلاك: عدم التمييز بين المياه المسحوبة مؤقتاً للاستخدام في الصناعة ثم تُعاد للأنهار، والمياه التي تُستهلك استهلاكاً كاملاً في عمليات الصناعة.

•دورة حياة الصناعة: تُنشَرُ أرقامٌ تقتصر على ما يُستغل داخل المصنع فقط، وأخرى تضيف مياه الأمطار التي تروي الغابات التي تُستخدم أشجارها في هذه الصناعة.

•التفاوت التقني: قد يصل استهلاك المصانع القديمة إلى 10 أضعاف استهلاك المصانع الحديثة من المياه.

•تشتت المعايير البيئية: تعتمد الشركات أطُراً مختلفة للإبلاغ البيئي، ما يجعل المقارنات بينها غير دقيقة.

ولنضرب مثالاً على ما نقصد، بالمقارنة بين نوعين من المصانع: المصانع التقليدية تسحب كميات ضخمة (40–100 متر مكعب من المياه لكل طن واحد من الورق)، ثم تُعيد نحو 90% منها إلى مصدرها بعد معالجتها، وإن كانت هذه المياه المُعادة لا تخلو غالباً من بعض الشوائب المتبقية وارتفاع طفيف في درجة حرارتها عن مصدرها الأصلي. أما المصانع الحديثة ذات الدورة المغلقة، فتسحب كميات قليلة تُراوح بين 2–5 أمتار مكعبة لكل طن، وتُدوِّر هذه المياه داخلياً مراراً بدل ضخّها من مصدر خارجي وإعادتها إليه. غير أن هذا يعني أن كل ما تسحبه هذه المصانع من مياه جديدة يتبخر أو يندمج في المنتج النهائي تقريباً، دون أن يعود شيء منه إلى النهر أو المصدر. لذلك تُظهِر الإحصاءات أن هذه المصانع "تستهلك" 100% مما تسحبه، رغم أن الكمية المسحوبة أصلاً قليلة مقارنة بالمصانع التقليدية، وهو ما يجعلها في المحصلة الخيار الأكثر حماية للبيئة.

لمعالجة هذا التشتت، طوّرت المنظمة الدولية للمعايير (الأيزو) معيار ISO 14046، الذي ينقل التركيز من "عدّ اللترات" إلى "قياس الأثر البيئي"، فسحب ألف متر مكعب في دولة مطيرة لا يماثل أثر سحبه في منطقة تعاني الشح المائي. ويستند المعيار إلى مؤشر "الماء المتاح استخدامه مما تبقّى" (Available Water Remaining – AWARE) لقياس الندرة المائية النسبية، إلى جانب قياس "بصمة التلوث المائي".

نخلُص إلى أن صناعة الورق التقليدية، حتى ذات الكفاءة العالية منها، تستهلك كميات كبيرة من الماء الصالح للاستخدام البشري والزراعة، وقد تكون للاستخدامات الأخرى أولويات أهم من هذه الصناعة. هذه الأرقام مقلقة لكل مُطّلع على واقع المياه في العالم، وفي المناطق التي تشُحّ فيها المياه خاصة، ومن بينها منطقتنا العربية، التي تُعدّ من أكثر مناطق العالم فقراً في الموارد المائية المتجددة للفرد، فيما يتنامى فيها الطلب على الورق والكرتون عاماً بعد عام.

أختم بذِكر أن هذه المقالة ليست دعوة للتوقف عن صناعة الورق، لوجود عدة خيارات تستطيع تفعيلها كلٌّ من صناعة الورق والجهات المُشرِّعة والمنظِّمة لقطاعي المياه والصناعة، لإيجاد حلٍّ لتحدي الاستهلاك الضخم للمياه في صناعة الورق. وسأتحدث عن هذا الأمر بشيء من التفصيل في المقالات التالية، إن شاء الله.

 

خاص_الفابيتا