ساهم التحول الشامل الذي تشهده المملكة في التركيز على استثمار ثرواتها المختلفة من المعادن، لتحقيق هدف التنوع الاقتصادي، واستكمال سلاسل الإنتاج محليا، بدلاً من تصدير المواد الخام، ولتحقيق جانب مهم من أمنها الإستراتيجي.
في العام 2018 أكد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لصحيفة «واشنطن بوست»، «أن المملكة تستحوذ على 5 % من احتياطيات اليورانيوم في العالم، وإذا لم نستخدم تلك النسبة من اليورانيوم، فإن الأمر أشبه بإخبارنا بعدم استخدام النفط».
رسالة واضحة وحاسمة على عزم المملكة استثمار مخزون اليورانيوم، لأغراض سلمية، تسهم في تنويع مصادر الطاقة وتلبية الطلب المتنامي على الكهرباء، وتحقيق الاستدامة، وتصدير الطاقة النظيفة للخارج وبما يعزِّز مكانتها كمصدر عالمي رئيس للطاقة. موثوقية المملكة في قطاعي النفط والغاز، يزيد من قدرتها على احتلال مركز عالمي في إنتاج الطاقة المتجددة، وتصديرها، والتوسع في سلسلة الصناعات المرتبطة بالمعادن النادرة، وخلق قطاعات صناعية جديدة، وقيمة مضافة لثرواتها، تسهم في تنويع مصادر الاقتصاد والدخل.
من حق المملكة استثمار مخزون اليورانيوم، وتحقيق الفائدة القصوى منه، بدل تصديره للخارج. تصدير المعادن، بأنواعها، والمنتجات الأولية تتسبب في استنزاف المخزون الوطني دون أن تحقق المنفعة الكلية للاقتصاد. كما أنها تحرم المملكة من تحقيق متطلبات أمنها الإستراتيجي، وتعزيز قدراتها الصناعية، وبناء سلسلة إنتاج متكاملة في قطاعات مختلفة.
سمو وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية، الأمير عبدالعزيز بن سلمان، أكد أن المملكة تمضي في بناء مزيج وطني متنوع ومستدام للطاقة، يشمل الطاقة النووية إلى جانب المصادر الأخرى، وفق إطار تنظيمي يتوافق مع الالتزامات الدولية وأعلى معدلات الأمن والأمان والضمانات النووية، وأن المملكة تستهدف تعظيم القيمة الاقتصادية والصناعية لهذه الموارد بما يعزِّز مرونة سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الإستراتيجية والحرجة، وأن المملكة ستواصل تطوير برامجها بالتعاون مع شركائها الدوليين والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
رسائل مهمة تضمنتها كلمة سمو وزير الطاقة التي ألقاها في المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، أكد فيها حق المملكة في استثمار مخزونها من اليورانيوم، واستكمال سلسلة الإنتاج محليا، وبما يحقق القيمة المضافة للاقتصاد السعودي، وتنفيذ مشروعها النووي السلمي. شفافية المملكة المطلقة في برنامجها النووي السلمي يعكس النوايا الحسنة التي تتمتع بها، وأن هدفها الرئيس هو تعزيز قدراتها في قطاع الطاقة، ومضاعفة إنتاجها من الكهرباء لمواجهة النمو الاقتصادي المتسارع، وتلبية الاحتياجات الصناعية والتقنية التي لا يمكنها تحقيقها بمعزل عن الطاقة النووية السلمية. أحسب أن إشارة سمو وزير الطاقة إلى النهج السعودي القائم على «الشفافية والانفتاح والتعاون الدولي»، وليس على أنشطة «تُدار في مخابئ في الخفاء، أو في منشآت مخفية في أعماق الجبال»، تحمل الكثير من المعاني، إضافة إلى ما يمكن قراءته ما بين السطور. كلمات معبرة، وإشارة عميقة، وتعبير ذكي يرد من خلاله الأمير عبدالعزيز بن سلمان على حملات التشكيك بالأهداف الوطنية، والمعايير المزدوجة حين التعامل مع المملكة. تورية أدبية ساخرة، غير أنها تصور واقع الحال، الذي يغض الطرف عنه منتقدو البرنامج السعودي للطاقة النووية.
يتعامل الغرب بحساسية مفرطة تجاه البرنامج السعودي للطاقة النووية، ومشروعاتها التعدينية، وسعيها لتحويل مواردها الطبيعية إلى صناعات ومنتجات قابلة للتصدير، حساسية لا تخلو من النفاق، وازدواجية المعايير في التعامل مع الدول، والمملكة على وجه الخصوص.
تحكم الغرب في الصناعات الإستراتيجية، واستحواذها على المدخلات الأولية من الدول المُنتجة لها، وبأسعار رخيصة، ثم إعادة تصنيعها كمنتجات نهائية وإعادة بيعها بأسعار مرتفعة أمر لا يمكن القبول به، وهو ما بدأت المملكة في تصحيحه من خلال استثمار ثرواتها الطبيعية لبناء اقتصاد متين، ومتنوع، ومستدام.
أطلقت المملكة مشروعها الوطني للطاقة النووية، وهو مشروع ضخم قائم على رؤية إستراتيجية، وخارطة طريق واضحة، ومراحل مجدولة يتم العمل على إنجازها بعزيمة وإصرار وثبات، وعقدت شراكات مع شركات أميركية وفرنسية لتنفيذ رؤيتها الطموحة، وهي ماضية في تحقيق مستهدفاتها رغم الضجيج الغربي، ولعلي أشير إلى أهمية التعديل الأخير في الحقائب الوزارية الذي استهدف تحقيق التكامل الأمثل بين الطاقة والصناعة والتعدين، وبعده الإستراتيجي، كمرحلة من مراحل التمكين، والتنفيذ المعزِّز لإنجاز المستهدفات، وبما يمكِّن المملكة من بناء سلسلة قيمة صناعية واقتصادية متكاملة لثرواتها، وبخاصة المعادن الأرضية النادرة، بدءا من الاستكشاف والتعدين، مروراً بالمعالجة والفصل والتكرير، والإنتاج، وبما يحقق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد، ويعزِّز الأمن الوطني الشامل.
نقلا عن الجزيرة



مقال جميل يصف واقع أجمل بإذن الله