أنذرت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الحرس الثوري الإيراني بأنها ستفرض عليهم ثمناً اقتصادياً باهظاً إذا ما استهدفوا السفن الأميركية، وأنها ستستهدف ثلاث ناقلات نفط إيرانية مقابل كل سفينتين أميركيتين يُعتدى عليهما. من حيث العدد تظهر القيادة المركزية الأميركية حزماً يستهدفون من خلاله ردع الحرس الثوري عن استهداف السفن الأميركية، وهو إنذار قد لا يرهب الإيرانيين الذين يتعاملون مع الأهداف الأميركية من منظور يتجاوز في مضمونه، الخسارة العددية إلى تحقيق الأثر المعنوي، وانعكاسه على الداخل الإيراني، وأتباع إيران في الخارج، والأثر الأكبر الذي يحدثه تدمير سفن أميركية، أو قتل جنود أميركيين على الرأي العام الأميركي وأهالي الضحايا. فالمعادلة مختلفة بين الطرفين، في الأهمية، وتقييم الخسائر، والقدرة على تحمل تداعياتها.
لن يهتم الحرس الثوري بتدمير ثلاث ناقلات نفط، واستهداف سفن النفط العابرة لمضيق هرمز، والإضرار بالاقتصاد العالمي وأمن المنطقة، طالما بقى في مأمن من الاستهداف المباشر. عندما تحكم الميليشيا قبضتها، تختفي الحكمة، والرؤية السياسية، والرغبة في حماية الدولة ومقدراتها الاقتصادية، وتستبدل بحماية الميليشيا التي توفر الحماية وتضمن البقاء والمنفعة لقادتها وأفرادها.
من المستغرب تحديد القيادة الأميركية في تحذيرها، عدد ثلاث ناقلات مقابل كل سفينتين، وليس أربع ناقلات مقابل كل سفينتين على سبيل المثال لا الحصر، أو الإعلان عن استهداف جميع ناقلات النفط الإيرانية العائمة مقابل استهداف أي سفينة أميركية، أو التهديد باستهداف جزيرة خرج التي تعتبر المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية وشريان الحياة للاقتصاد الإيراني. أو يوجه الاستهداف لمراكز قيادة البحرية الإيرانية، والموانئ المطلة على الخليج العربي، لإخراجها من الخدمة، وكف أذاها عن الناقلات، والسفن الأميركية.
يبدو أن الأميركيين غير مستعجلين على حسم المواجهة مع إيران، لحسابات إستراتيجية، برغم التصعيد العسكري، وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، واستهداف إيران دول الخليج، حليفة الولايات المتحدة، والمرتبطة معها باتفاقيات عسكرية.
تأخر فتح المضيق، وإزالة جميع مصادر تهديد الناقلات، يعني تدفق النفط والغاز بشكل اعتيادي، وربما بوتيرة أعلى مما كانت عليه قبل الحرب، ما سيفقد الأميركيين الميزة التنافسية التي حصل عليها قطاع الطاقة الأميركي خلال الأشهر الماضية، وسيؤثر سلباً في خطط إعادة تشكيل منظومة الطاقة العالمية، وسيطرة الولايات المتحدة عليها، وبالتالي استدامة التأثير الاقتصادي، والتحكم في مستقبل الاقتصاد العالمي، ومصير الدول الصناعية، وفي مقدمها الصين.
كما أن حسم الحرب ربما تعارض مع الأهداف الأميركية الموجهة ضد الصين، ومحاولة عرقلة وارداتها النفطية، ورؤيتها الاستراتيجية للمنطقة، وسعيها الدائم لتنفيذ خططها التخريبية، والإضرار بدولها التي تعتمد في مداخيلها المالية على صادرات النفط والغاز.
تمتلك الولايات المتحدة مفاتيح النصر العسكري، وهي قادرة على شَل حركة الحرس الثوري الإيراني، وإسقاط النظام، وتوجيه ضربات حاسمة عسكرياً، واقتصادياً ومالياً، وحمل قادتها على التسليم الفوري، ووقف الحرب.
إطلاق وزارة الخزانة الأميركية عملية «المنبوذ الاقتصادي»، التي استهدفت تضييق الخناق وقطع كل مصدر محتمل لتمويل الحرس الثوري والنظام الإيراني، من أهم أدوات المواجهة، إلا أنها ما زالت في بداياتها، وتنفذ على استحياء، أو ربما بالتوافق مع أهداف إستراتيجية أخرى. لو نفذت أميركا حربها الاقتصادية على إيران وشركائها، بالقوة المعلنة، لسقط النظام وحرسه، وأذرعه الإرهابية في بعض الدول العربية، ولتعرض شركائها لعقوبات صارمة، تمنعهم مستقبلاً من تمرير دولار واحد لمصلحة إيران، وبالتالي تجفيف مصادر التمويل، والقضاء على شبكات الظل المالية.
عشرات المليارات من الدولارات الإيرانية، تمر سنوياً عبر حسابات المقاصة لدى بنوك أميركية، رغم العقوبات المفروضة على طهران، ومئات المليارات يتم تداولها سنوياً من خلال بنوك تجارية منتشرة في المنطقة، لم يتم إيقافها بعد، ولم تتخذ ضدها إجراءات حاسمة تسهم في قطع قنوات تمويل الحرس الثوري والنظام الإيراني والميليشيات التابعة لإيران في المنطقة. لو نفذت العقوبات الاقتصادية كما يجب، لتم فرض عقوبات صارمة على ثلاثة بنوك مركزية في المنطقة، وعقوبات واسعة على عدد من البنوك، التي حولت بعض فروعها إلى منصات مالية وتجارية لإيران. لا يمكن لتلك البنوك تنفيذ عمليات بعشرات المليارات من الدولارات دون معرفة البنوك المركزية المشرفة عليها، وبالتالي فهم شركاء في جريمة غسل الأموال الإيرانية، وتمويل الإرهاب، ومخالفة العقوبات الاقتصادية الدولية.
إصدار العقوبات أمر مختلف بالكلية عن إجراءات التنفيذ التي تحتاج إلى تفعيل أكبر، وصرامة تتجاوز قطع قنوات التمويل الإيرانية إلى مقاضاة شركاء إيران وفرض عقوبات مالية صارمة على البنوك والمؤسسات المالية والبنوك المركزية المتواطئة معها.
نقلا عن الجزيرة


