تشهد أسواق الدين العالمية منذ مطلع أغسطس 2026 موجة بيع حادة طالت سندات الخزانة الأمريكية بمختلف آجالها، دفعت العوائد إلى مستويات لم تسجل منذ 20 عام. هذا التطور، الذي قد يبدو للوهلة الأولى شأناً تقنياً يخص أسواق المال الأمريكية يحمل في طياته تداعيات مباشرة على تكلفة الاقتراض حول العالم، وعلى جيب المواطن العادي سواء في واشنطن أو الرياض، وعلى المشهد الاستثماري في سوق أدوات الدين السعودي الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحركة العائد الأمريكي الخالي من المخاطر.
أين وصلت العوائد؟ ولماذا؟
سجل عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات، وهو المؤشر المرجعي الأهم لتسعير الدين العالمي، أعلى مستوياته خلال 19 شهراً عند نحو 4.75%، في ظل موجة بيع تضرب أسواق السندات العالمية مدفوعة بمخاوف التضخم والزيادة الكبيرة في إصدارات ديون الشركات. وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، قفزت عوائد السندات طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وصعود أسعار الطاقة، فيما بلغ عائد أذون الخزانة لأجل عامين، الأكثر ارتباطاً بتوقعات سياسة الفائدة قصيرة الأجل، مستوى قريباً من 4.2.
أما الشريحة الأطول أجلاً فكانت الأكثر تأثراً، إذ اقترب عائد سندات الثلاثين عاماً من أعلى مستوى له منذ أزمة 2007 المالية، بعدما بلغ نحو 5.13% خلال تداولات يوليو 2026 ثم ارتفع لاحقاً إلى 5.16% مع إغلاق نهاية الأسبوع. وفي اختبار مباشر لشهية المستثمرين، قفز العائد في أحد مزادات الخزانة الأمريكية لسندات الثلاثين عاماً إلى مستوى هو الأعلى منذ عام 2001، وهو ما يعكس مطالبة المستثمرين بعلاوة مخاطرة أكبر مقابل إقراض الحكومة الأمريكية لآجال طويلة. هذا الارتفاع ليس وليد عامل واحد، بل محصلة تشابك عدة ضغوط في نفس الوقت:
• مخاوف تضخمية متجددة: بسبب صعود أسعار النفط والطاقة على خلفية التوترات الجغرافية-السياسية في الشرق الأوسط.
• اتساع العجز المالي الأمريكي: إذ بلغت مدفوعات الفائدة على الدين العام الأمريكي منذ بداية السنة المالية الجارية نحو 1.17 تريليون دولار، بزيادة نسبتها 15%، ما يغذي دائرة مفرغة من الاقتراض بكلفة أعلى لتمويل فوائد الدين القائم.
• تسارع إصدارات الديون: سواء الحكومية أو إصدارات ديون الشركات الأمريكية التي تجاوزت قيمتها 145 مليار دولار منذ بداية أغسطس وحده، في مستوى قياسي لهذا الشهر، ما يزيد المعروض من أدوات الدين في وقت يتراجع فيه الطلب النسبي.
• إعادة تسعير مسار الفائدة الأمريكية: مع إعادة تقييم الأسواق لاحتمالات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي في ضوء بيانات اقتصادية أقوى من المتوقع.
التداعيات على الاقتصاد العالمي
بوصفها "السعر المرجعي" لكلفة الأموال عالمياً، فإن أي ارتفاع في عوائد سندات الخزانة الأمريكية ينتقل بسرعة إلى بقية أسواق الدين حول العالم. فالحكومات والشركات في الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء تجد نفسها مضطرة لعرض عوائد أعلى على إصداراتها الجديدة لجذب المستثمرين، ما يرفع تكلفة تمويل الموازنات العامة والمشاريع الاستثمارية الكبرى.
كذلك يعزز ارتفاع العوائد جاذبية الدولار الأمريكي كوجهة استثمارية، ما قد يضغط على عملات الأسواق الناشئة ويزيد كلفة خدمة الدين الخارجي المقوّم بالدولار لدى الدول التي تعتمد عليه في اقتراضها. وعلى صعيد أسواق الأسهم، ترتفع كلفة الفرصة البديلة للاستثمار في الأصول عالية المخاطرة، إذ يصبح الاحتفاظ بسندات "خالية من المخاطر" بعائد يتجاوز 4.5%-5% أكثر جاذبية مقارنة بالمخاطرة في أسواق الأسهم، ما ينعكس عادة في تقلبات أعلى وضغط على تقييمات الشركات، خصوصاً تلك ذات النمو المرتفع والرافعة المالية الكبيرة.
كيف يشعر بها المواطن العادي؟
أثر ارتفاع العوائد لا يبقى حبيس الأسواق المالية، بل ينتقل تدريجياً إلى المعيشة اليومية للأفراد عبر عدة قنوات:
• قروض الرهن العقاري: يستخدم عائد سندات العشر سنوات كمرجع مباشر لتسعير معدلات الفائدة على الرهن العقاري وقروض السيارات وبطاقات الائتمان في الولايات المتحدة، وبالتالي فإن أي ارتفاع فيه يعني أقساطاً شهرية أثقل على من يسعى لتملك منزل أو تجديد قرض قائم.
• كلفة الاقتراض الاستهلاكي: ترتفع فوائد بطاقات الائتمان والقروض الشخصية تدريجياً مع ارتفاع تكلفة التمويل لدى البنوك، ما يقلّص القدرة الشرائية للأسر.
• مدخرات التقاعد والاستثمار: في المقابل، يستفيد المدّخرون وأصحاب صناديق الدخل الثابت من عوائد أعلى على الودائع وصناديق أسواق المال والسندات الجديدة، لكن حاملي السندات القديمة منخفضة العائد يتكبدون خسائر دفترية مع انخفاض القيمة السوقية لسنداتهم.
• التضخم المستورد: بالنسبة للدول غير الأمريكية، يترافق ارتفاع العوائد غالباً مع دولار أقوى، ما يرفع كلفة الواردات المقوّمة بالدولار، وعلى رأسها الغذاء والطاقة، وينعكس على معدلات التضخم المحلية.
كما يشير محللون إلى أن الأثر لا يكون لحظياً، إذ يمر عبر عدة مراحل قبل أن ينعكس بوضوح على مستوى الأفراد والشركات والاقتصاد ككل، خاصة أن الشركات ذات القروض متغيرة الفائدة والرافعة المالية المرتفعة هي الأكثر تأثراً بارتفاع كلفة الدين، وإن كان بإمكان بعضها امتصاص هذا الأثر عبر كفاءة التشغيل وترشيد النفقات.
الانعكاس على سوق أدوات الدين السعودي
حين ترتفع العوائد الأمريكية، تضطر الحكومة السعودية والجهات المصدرة محلياً إلى عرض عوائد أعلى على إصداراتها الجديدة من الصكوك لتظل جاذبة للمستثمرين، ما يرفع تكلفة التمويل الحكومي والشركات على حد سواء، ويؤثر تبعا لذلك على جدوى بعض المشاريع التمويلية التي تعتمد على إصدارات الدين.
وتزداد حساسية المملكة لهذا المسار كونها من كبار حائزي سندات الخزانة الأمريكية ضمن احتياطياتها الاستثمارية، إذ ارتفعت حيازة السعودية من سندات الخزانة الأمريكية بنسبة 13.7% على أساس سنوي لتبلغ نحو 149.6 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مقارنة بـ131.6 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق، ما يضعها ضمن قائمة أكبر عشرين دولة حائزة لهذه السندات عالمياً. وهذا يعني أن ارتفاع العوائد يحمل وجهين متعارضين بالنسبة للمملكة: فمن جهة يرفع العائد على جزء من الاحتياطيات المستثمرة في الأصول الدولارية، ومن جهة أخرى يرفع كلفة اقتراض الحكومة والقطاع الخاص محلياً حين تحتاج لإصدار دين جديد أو إعادة تمويل دين قائم.
وعلى صعيد سوق الأسهم، فإن ارتفاع تكلفة الدين يضغط بشكل غير مباشر على الشركات المدرجة ذات الروافع المالية المرتفعة أو القروض متغيرة الفائدة، فيما تبقى فترات ارتفاع العائد فرصة نسبية لمستثمري الدخل الثابت الباحثين عن عوائد أعلى من أدوات الدين مقارنة بالسنوات الماضية.
يعكس المسار الصاعد لعوائد سندات الخزانة الأمريكية تشابكاً بين عوامل تضخمية وجيوسياسية ومالية تتعلق بحجم الدين الأمريكي ذاته، وتنعكس تداعياته بصورة متسلسلة من الأسواق العالمية إلى محفظة المواطن الفردية، وصولاً إلى كلفة تمويل الحكومات والشركات في اقتصادات مرتبطة بالدولار كالاقتصاد السعودي. ومع استمرار هذه الضغوط، تبقى العين على قرارات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة، ومسار عجز الموازنة الأمريكية، وتطورات الملف الجيوسياسي في الشرق الأوسط، بوصفها المحددات الرئيسية لمسار العوائد خلال الفترة المقبلة.
خاص_الفابيتا


