الأصول الصامتة.. هل حان وقت قياس الإنتاجية؟

23/08/2026 0
د. أحمد درويش

في طريق عودتي بعد يوم عمل، كثيراً ما يلفت انتباهي مشهد مبانٍ أطفئت أنوارها، ومدارس خلت ساحاتها، وحدائق هدأت حركتها، ومرافق انتهى نشاطها اليومي، فأعود إلى سؤال بسيط: هل نستفيد فعلاً من هذه الأصول بقدر ما يمكن أن تقدمه؟

حين نتحدث عن كفاءة الإنفاق، يتركز النقاش غالباً على المشروع الجديد: كم سيكلف؟ وهل يمكن خفض تكلفته؟ وهل نحتاج إليه أصلاً؟ وهي أسئلة مهمة، لكن هناك سؤالاً آخر: ماذا عن الأصول التي استثمرنا فيها بالفعل؟ فالمباني والأراضي والمدارس والحدائق والمرافق والبنية التحتية التي تراكمت عبر عقود من التنمية ليست مجرد ممتلكات تحتاج إلى الحفظ والصيانة، بل رأسمال وطني ينبغي أن يحقق أكبر قيمة تنموية ممكنة.

أعاد هذا السؤال إلى ذهني ما قرأته في مجلة The Economist عن توجه بعض المدن الصينية إلى استخراج قيمة أكبر من أصولها الحكومية القائمة. فقد بدأت مدينة يويانغ، مثلاً، تنظر إلى المباني قليلة الاستخدام والمشروعات المتعثرة. والفكرة الأهم ليست التجربة نفسها، بل السؤال الذي تقترحه: قبل أن نبني المزيد، هل استنفدنا إمكانات ما نملكه بالفعل؟

في مراحل النمو السريع، يكون التركيز على إضافة الأصول أمراً طبيعياً. لكن مع تراكم رأس المال العام، تظهر فرصة أخرى للنمو والكفاءة لا تعتمد على التوسع، بل على رفع إنتاجية الموجود. فالمدرسة تؤدي وظيفتها التعليمية، لكن بعض مرافقها قد تخدم المجتمع بعد الدوام. والمبنى الحكومي قد يحتوي مساحات غير مستغلة، والحديقة قد تستضيف أنشطة اجتماعية وثقافية دون أن تفقد وظيفتها الأساسية.

المقصود ليس تحويل كل مرفق حكومي إلى مشروع تجاري، بل النظر إلى الوقت والمساحة والطاقة الاستيعابية غير المستخدمة، والبحث عن قيمة إضافية يمكن تحقيقها دون الإضرار بالوظيفة الأصلية. وهنا يمكن الانتقال من مفهوم «إدارة الأصول» إلى مفهوم أوسع هو «إنتاجية الأصول».

عادة نعلم قيمة الأرض أو المبنى، وتكلفة تشغيله وصيانته، والجهة المسؤولة عنه. لكننا لا نسأل دائماً: ما مقدار القيمة التي يولدها هذا الأصل مقارنة بما يستطيع أن يولده؟ فقد يكون المبنى في حالة ممتازة لكنه أكبر من حاجة الجهة، أو تعمل المدرسة بكفاءة بينما تبقى ملاعبها وقاعاتها بلا استخدام لساعات طويلة، أو تكون أرض في موقع مهم قد تغيرت الحاجة إلى الغرض الذي خصصت له.

من هنا تبرز فكرة «مؤشر إنتاجية الأصل الحكومي»، لا بوصفه مؤشراً مالياً يقيس الإيراد فقط، بل إطاراً يشمل معدل الاستخدام، وعدد المستفيدين، وتكلفة التشغيل، والوفر أو الإيراد، والأثر الاقتصادي والاجتماعي، ومدى مساهمة الأصل في أهداف الجهة. ويمكن أن يضاف إليه مفهوم «فجوة إنتاجية الأصل»، أي الفرق بين القيمة التي يحققها الأصل اليوم والقيمة التي يمكن أن يحققها إذا استُخدم بصورة أكثر كفاءة.

وقد تُعالج هذه الفجوة بتمديد ساعات الاستخدام، أو مشاركة الأصل بين جهات متعددة، أو إعادة توظيفه، أو إشراك القطاع الخاص، أو تغيير استخدامه. وفي بعض الحالات قد يتبين أن الأصل لم يعد ضرورياً، وأن إعادة تخصيصه أو التخارج منه تحقق قيمة أكبر. وهكذا ننتقل من سجل يخبرنا ماذا نملك إلى خريطة توضح أين توجد القيمة غير المستغلة وكيف يمكن تحريرها.

والتجارب الدولية تقدم نماذج متعددة. ففي سنغافورة أُعيد توظيف منشآت حكومية سابقة للفنون والأنشطة الإبداعية، ما يؤكد أن انتهاء الوظيفة الأصلية لا يعني انتهاء قيمة الأصل. وفي ألمانيا تسمح إدارة الممتلكات بصورة متكاملة بإعادة تخصيص المواقع التي تتغير الحاجة إليها. وفي إيطاليا والبرتغال أُعيد إحياء مبانٍ عامة غير مستغلة لاستخدامات سياحية وثقافية واجتماعية. وتختلف الأدوات، لكن المبدأ واحد: الأصل العام لا ينبغي تقييمه فقط بما يساويه، بل بما يستطيع أن ينتجه من قيمة.

ومع ذلك، ليست كل الأصول مطالبة بالعمل طوال اليوم أو تحقيق دخل مباشر. فالمدرسة ليست مركزاً تجارياً، والحديقة لا ينبغي أن تمتلئ بالأنشطة الربحية، والمستشفى لا يقاس فقط بعائد كل متر مربع. بعض الأصول يحقق قيمته كاملة بمجرد أداء وظيفته العامة بكفاءة. لذلك فالسؤال الصحيح ليس: كيف نجعل الأصل يعمل أكثر؟ بل: هل توجد قيمة غير مستغلة يمكن تحقيقها دون الإضرار بوظيفته الأساسية؟

كما أن إنتاجية الأصول لا تعني البحث المحموم عن الإيرادات. فالمدرسة التي تتيح مرافقها للشباب بعد الدوام قد تحقق عائداً اجتماعياً، والحديقة التي تحسن جودة الحياة تنتج قيمة حقيقية، والمبنى الذي تتشاركه عدة جهات قد يوفر نفقات كبيرة دون أن يحقق إيراداً. ولهذا قد يكون الأنسب تبني مفهوم (الاستخدام الأعلى قيمة تنموية عامة)، بحيث تُقاس قيمة الأصل مالياً واقتصادياً واجتماعياً وحضرياً وبيئياً واستراتيجياً.

بالنسبة للسعودية، تبدو الفرصة واضحة. فقد استثمرت على مدى عقود في قاعدة ضخمة من المدارس والمستشفيات والأراضي والمباني الحكومية والحدائق والبنية التحتية. ومع التحول الاقتصادي والاهتمام بكفاءة الإنفاق وجودة الحياة والاستدامة المالية، يمكن إضافة سؤال جديد إلى إدارة الأصول العامة يتمحور حول ما إنتاجية هذا الأصل؟ وما القيمة التي يخلقها مقارنة بإمكاناته وتكلفته؟

قد تكشف الإجابة عن أصول تؤدي دورها بكفاءة ولا تحتاج إلى تغيير، وأخرى تحتاج إلى مشاركة أوسع أو إعادة توظيف أو تطوير أو استثمار أو تخارج. والأهم أن هذا التحول ينقلنا من إدارة الممتلكات إلى إدارة القيمة. ففي مراحل معينة من التنمية يكون السؤال الأكبر يركز على ماذا سنبني؟ أما في مراحل أكثر نضجاً، فيصبح السؤال المكمل يدور حول كيف نستفيد بصورة أذكى مما بنيناه بالفعل؟

ختاما، حين نمر مستقبلاً بتلك المباني والمرافق الصامتة، ربما لن نسأل فقط عن قيمتها أو تكلفتها، بل عما تنتجه اليوم وما تستطيع أن تنتجه غداً. فلسنا دائماً بحاجة إلى أصل جديد كي نصنع قيمة جديدة، أحياناً نحتاج فقط إلى أن نجعل الأصل الصامت يتحدث بصورة أفضل.

 

نقلا عن الاقتصادية