حريق الجار واتجاه الريح

17/08/2026 0
د. عبدالله الردادي

في نهاية يوليو الماضي بلغ الين الياباني أضعف مستوى له منذ أربعين عاماً، حتى صار الدولار الواحد يساوي أكثر من 164 يناً، فنزلت وزارة المالية اليابانية إلى السوق تشتري عملتها بعشرات المليارات في يومين متتاليين، وهو تصرّف مألوف تكرّر منها مرات عديدة، لكن ما جاء بعده لم يكن مألوفاً في شيء: نزلت الولايات المتحدة إلى السوق معها، تشتري الين هي الأخرى، وحين سُئل الرئيس الأميركي عن السبب أجاب بجملة عابرة كأنها في شأن جيرة لا في شأن مال: «أرادوا مساعدة يسيرة، ونحن دائماً هناك من أجل اليابان».

والغرابة هنا لا تحتاج إلى خبير ليراها، فالدول عادةً تدافع عن عملاتها، لا عن عملات غيرها، وأميركا تحديداً لم تفعل هذا إلا مرتين في ربع قرن، وآخر مرة اشترت فيها الين كانت سنة 1998 في ذروة الأزمة الآسيوية، ثم إن تفصيلين في العملية زادا حيرة المتابعين: أن واشنطن اشترت الين مقابل اليورو لا مقابل الدولار، ودون أن تُخبر البنك المركزي الأوروبي بشيء؛ وأن ما أنفقته كان قليلاً جداً قياساً إلى ما أنفقته طوكيو، ومع ذلك تحرّك السوق، أي أنها أنفقت القليل وحصدت الكثير، لأن الذي بيع في تلك الجلسة لم يكن مالاً بل رسالة.

فلماذا تدفع دولة من خزينتها لترفع سعر عملة غيرها؟ الجواب ليس في طوكيو، بل في واشنطن نفسها، اليابان من أكبر مالكي السندات الحكومية الأميركية، تملك منها ما يقارب 1.1 تريليون دولار، وحين تريد أن تشتري عملتها فإنها تبيع بعض تلك السندات لتوفّر السيولة، وبيعها بكميات كبيرة يرفع كلفة الاقتراض على الحكومة الأميركية ذاتها، وهي كلفة كانت قد ارتفعت هذا العام أصلاً، إذ هي أشبه بحالة أن يحترق بيت جارك فتهرع بالماء، لا شفقةً عليه وحده، بل لأن الريح تهبّ نحو بيتك.

وقد رصد محلّلو أحد أكبر بنوك وول ستريت ثلاث علامات تكشف عن الدافع الأميركي، أولها أن واشنطن تسعى إلى توسيع ترتيب يتيح لليابان اقتراض الدولار مقابل سنداتها بدل أن تبيعها؛ وثانيها أنها شاركت طوكيو في المرّات التي اضطربت فيها تكلفة اقتراضها هي، وتركتها وحدها حين كانت هادئة؛ وثالثها أن صغر حجم عمليتها يكشف عن أنها أرادت التلويح لا الدفع، ويلخّص الاقتصادي (كارتيك سانكاران) المسألة في جملة: الخطر لم يكن في سوق العملة، بل في سوق السندات.

أما في الداخل الياباني، فالين الرخيص يرفع فاتورة البقالة والكهرباء والوقود على الأسرة اليابانية، لأن البلد يستورد طاقته وكثيراً من غذائه بأسعار مقوّمة بالدولار، وهو في المقابل نعمة على المصانع التي تصدّر، وعلى فنادق امتلأت بسيّاح وجدوا اليابان فجأة رخيصة، ولذلك لم يكن ضعف العملة مصيبة على الجميع، بل إعادة توزيع للربح والخسارة داخل البلد الواحد، وسببه المباشر بسيط لا يحتاج إلى تعقيد: الفائدة في اليابان نحو واحد في المائة، وفي أميركا تزيد على ثلاثة ونصف في المائة، والمال يتجه حيث العائد الأكبر.

ثم إن فريقاً من المختصين يشكّك في الذريعة كلها، فالسبب المعلن للتدخّل أن السوق صارت مضطربة، والواقع أنها لم تكن كذلك، فالأسعار تسير بانتظام، والصفقات تُنجز، ولا توجد أي حالة من الذعر، ومعنى ذلك أن العملة لم تكن مضطربة بل مقوّمة بأقل من قيمتها الحقيقية، وهذا داء لا يعالجه شراء العملة ليوم أو يومين، بل تعالجه سياسة اقتصادية تتغيّر، ويضاف إليه أن غياب الأوروبيين عن العملية أضعف هيبتها، لأن التهديد الذي لا يصدّقه أحد لا يخيف أحداً.

وثمّة وجه إضافي أكثر إثارة للقلق، يرى أستاذ الاقتصاد (إسوار براساد) أن سياسة العملات اكتسبت لوناً سياسياً واضحاً؛ فالخزانة الأميركية نفسها، ومن الصندوق نفسه، كانت قبل أقل من عام قد مدّت الأرجنتين بعشرين مليار دولار لتثبيت عملتها عشيّة انتخاباتها، أي أن الأداة تُمنح لمن تراه واشنطن صديقاً وتُحجب عمّن سواه، وعودة إلى الصورة، من يطفئ حريق جاره اليوم قد يقف متفرّجاً على حريق آخر غداً، لأن العبرة باتجاه الريح لا بحقّ الجيرة.

ويبقى السؤال: هل نجح التدخّل؟ فالتاريخ يعطي جواباً محبطاً، ففي 1998 ارتفع الين بقوة خلال يومين بعد تدخّل مشترك مشابه، ثم عاد إلى نقطة البداية بعد ثمانية أيام تداول، وسجّل مستويات أضعف خلال ثلاثة أسابيع، ولم ينقلب مساره فعلاً إلا حين تعثّرت روسيا في سداد ديونها وانهار صندوق استثماري ضخم، فاضطر البنك المركزي الأميركي إلى خفض الفائدة، أي أن الذي أنقذ الين كان أزمةً لا تدخّلاً، وهو ما يتكرّر أمامنا الآن: بعد أسبوعين فقط من العملية كان الين قد أعاد نصف ما كسبه، ومع ذلك يبقى للرأي المقابل وجاهته، فاتفاق «بلازا» سنة 1985، حين اجتمعت خمس دول لخفض الدولار، ما زال يُذكر بوصفه نجاحاً؛ لا لأنه حرّك سعراً في يوم، بل لأنه ألزم الدول بتغييرات في سياساتها دامت سنوات.

وربما كان السبب الأعمق لضعف الين ليس الفائدة أصلاً، فأميركا اليوم هي الورشة التي يُبنى فيها الذكاء الاصطناعي، والمال يتدفّق إليها لهذا السبب، بينما لم تتحوّل خطط طوكيو الاستثمارية إلى مصانع بعد، والين ضعيف لأن المال يفضّل أن يبني مركز بيانات في تكساس على أن يشتري سنداً في طوكيو، وإلى أن يتغيّر هذا، سيظل ما جرى في نهاية يوليو على ما هو عليه: أُخمد الحريق، ولم تتغيّر الريح.

 

نقلا عن الشرق الأوسط