تخيّل مسؤول توظيف في شركة كبرى أمام مئات السير الذاتية لوظيفة واحدة. وقت القراءة محدود، وتكلفة الخطأ عالية: توظيف مرشح غير مناسب قد يعني شهورًا من التدريب المهدر وتكاليف إعادة التوظيف. لذلك، لا يتصرف أصحاب العمل في الاقتصاد السعودي أو غيره من الاقتصادات كـ"قضاة جودة" يسعون للعدالة المطلقة، بقدر ما يتصرفون من منطلق اقتصادي بحت كـ"مديري مخاطر" يبحثون عن قرار معقول بأقل قدر من عدم اليقين.
من هنا نفهم لماذا تتكرر أسماء جامعات بعينها في قوائم "المفضّلين". المسألة ليست مؤامرة ولا مجرد "وجاهة اجتماعية"، بل هي اختصار إحصائي يظهر حتميًا عندما تكون المعلومات ناقصة وتكلفة الفرز باهظة.
في بداية المسار المهني، تكون إنتاجية المرشح الحقيقية غير مرئية وما يراه صاحب العمل هو مجرد "إشارات" (Signals): اسم الجامعة، التخصص، المعدل، والشهادات المهنية. هذا بالضبط ما ناقشته نظرية "إشارات سوق العمل" لمايكل سبنس الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد: التعليم والمؤشرات المرتبطة به تساعد أصحاب العمل على التمييز بين المرشحين في ظل ضبابية المعلومات.
هنا تبرز "لعبة الاحتمالات". حتى لو لم تكن القدرات موزعة حصريًا على جامعات النخبة، فإن المنطق الاقتصادي البسيط يقول: إذا كانت التجربة التاريخية للشركة تشير إلى أن احتمال العثور على مرشح قوي يكون أعلى عندما تحمل السيرة الذاتية اسم جامعة (أ)، فإن نظام الفرز الأولي سيكافئ جامعة (أ). وبذلك يصبح اختيار مرشح من (أ) رهانًا أقل مخاطرة.
هل هذا مجرد تنظير؟ الأدلة من "الميدان" تؤكد ذلك. في دراسات تُعرف بـ Resume Audit Experiments، يرسل الباحثون سيرًا ذاتية متطابقة في المهارات والخبرة، ويغيّرون عنصرًا واحدًا فقط: اسم المؤسسة التعليمية. في ورقة بحثية لـ Deming وزملائه نُشرت في American Economic Review، وجدوا أن بكالوريوس إدارة أعمال من مؤسسة ربحية “أونلاين” كان أقل بحوالي 22% في احتمال تلقي اتصال مقارنة بدرجة مماثلة من مؤسسة عامة غير انتقائية (مع بقاء بقية السيرة ثابتة). الرسالة هنا واضحة: صاحب العمل يستخدم نوع/سمعة المؤسسة كإشارة سريعة في الفرز الأولي.
قد يبدو الحل بديهيًا: "فتّشوا عن الموهوبين في كل مكان". لكن التفتيش عملية مكلفة اقتصاديًا: مقابلات، اختبارات، وتدقيق مشاريع. عندما تكون تكلفة الفرز مرتفعة، يصبح من العقلاني للشركات أن تذهب حيث "العائد الاحتمالي أعلى لكل ساعة فحص".
وهذا ما أثبته راسل واينستين (Russell Weinstein) في تحليله لسلوك التوظيف؛ حيث وجد أن قرارات الشركات والأجور لا تحركها فقط سمعة الجامعة أو حجمها بشكل مطلق، بل "انتقائيتها النسبية مقارنة بجامعات المنطقة". ببساطة، تميل الشركات لتركيز جهودها في الجامعة التي تُعد "الأفضل محليًا" لأن ذلك يقلل تكاليف البحث والنقل. وتشير نتائجه إلى أن الجامعة الأفضل تصنيفًا في منطقتها ضاعف احتمالية جذب شركات الاستشارات، ويحظى خريجوها بعلاوة أجور تصل إلى 4% مقارنة بنظرائهم من جامعات متوسطة الانتقائية في المنطقة نفسها.
بتطبيق نموذج "واينستين" على سوق العمل السعودي، يمكننا فهم الديناميكية التي تحكم العلاقة بين أرباب العمل وجامعة مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. السر لا يكمن فقط في جودة المناهج، بل في "الانتقائية العالية للطلاب". بالنسبة لشركة كبرى، الجامعة هنا قامت بالفعل بالجزء الأصعب من مهمة الموارد البشرية: لقد قامت بـ"فرز" آلاف المتقدمين واختارت النخبة. بالتالي، الذهاب للتوظيف هناك يعني أن الشركة تضمن احتمالية مرتفعة جدًا لوجود كفاءات عالية في مكان واحد، مما يخفض "تكلفة الفرز" إلى أدنى مستوياتها مقارنة بالبحث في أوعية تعليمية أخرى أقل انتقائية. هذه "الكفاءة في البحث" هي ما يخلق الإقبال الكثيف على خريجي الجامعات النخبوية أو برامج الابتعاث النوعية في بداية حياتهم المهنية.
الإجابة تأتي من أدبيات "تعلم صاحب العمل"Employer Learning حيِث تشير بعض الأبحاث مثل دراسة Bordón & Braga إلى أن "علاوة السمعة" للجامعة تكون في ذروتها عند التوظيف الأول فقط، حيث يعتمد صاحب العمل على اسم الجامعة كإشارة للجودة في غياب المعلومات. لكن هذه العلاوة تتآكل تدريجيًا مع الزمن؛ فالأداء الفعلي في الميدان يكشف المعدن الحقيقي للموظف، وتتراجع أهمية اسم الجامعة لصالح الإنجاز الملموس والخبرة المتراكمة. الاسم يمنحك تذكرة الدخول، لكنه لا يضمن لك البقاء في القمة.
إذا كنت خريجًا من جامعة لا تملك "السمعة السوقية" القوية، فأنت لست بحاجة لتغيير جامعتك، بل لتغيير "جودة الإشارة" التي ترسلها. في ظل رؤية 2030 وتنافسية السوق، ظهرت معادلات جديدة للموازنة:
1. الشهادات المهنية الاحترافية: في تخصصات مثل المالية والمحاسبة والموارد البشرية، أصبحت شهادات مثل (CFA, SOCPA, CIPD, PMP) تلعب دور "المعادل العظيم" وهي إشارات معيارية موثوقة تتجاوز اسم الجامعة.
2. أعمال قابلة للفحص: بدلاً من أن تخبرهم أنك جيد، أرهم ذلك من خلال مشاريع برمجية، تصاميم، أو دراسات حالة منشورة.
3. التدريب النوعي: التدريب في جهات مرموقة يضيف "ختم جودة" جديد لسيرتك الذاتية يزاحم ختم الجامعة.
نحن نعيش مرحلة انتقالية، فمثلاً هل سيغير الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة؟ مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي في التوظيف وقدرتها على تحليل المهارات (Skills-based Hiring) وإجراء اختبارات أداء دقيقة بتكلفة منخفضة، قد نشهد تراجعًا في الاعتماد على "اسم الجامعة" كإشارة رئيسية. عندما تنخفض تكلفة "قياس المهارة الحقيقية"، لن يضطر صاحب العمل للاعتماد على "التخمين الاحتمالي".
باختصار، إن تفضيل سوق العمل لجامعات معيّنة هو سلوك اقتصادي عقلاني يهدف لتقليل المخاطر في بيئة معلومات ناقصة. اسم الجامعة يمنح دفعة أولية قوية، لكنه ليس شيكًا مفتوحًا للأبد. المبدعون من كل الجامعات يمتلكون الفرصة، شريطة أن يقدموا للسوق إشارات بديلة (شهادات، مشاريع، مهارات) قوية بما يكفي لكسر ضبابية المشهد الأولي.
المقالة منشورة في "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية، عدد يونيو 2026.


