التوطين الوهمي.. عندما تتحول الوظائف إلى أرقام

14/05/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

في الوقت الذي تبذل فيه المملكة جهودًا ضخمة لرفع معدلات التوطين وتمكين الكفاءات الوطنية وخلق سوق عمل أكثر استدامة، برزت ممارسات تضر بجوهر هذه الأهداف، يأتي في مقدمتها ما يُعرف بـالتوطين الوهمي، وهي ظاهرة لا تهدد فقط مصداقية التوظيف، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والإنتاجية وعدالة المنافسة بين المنشآت.

التوطين الحقيقي لا يُقاس بعدد الأسماء المسجلة في الأنظمة، بل بوجود موظف سعودي على رأس العمل، يمارس دورًا فعليًا، ويتقاضى أجرًا مقابل قيمة مضافة حقيقية داخل المنشأة، أما التوطين الوهمي فهو تحويل السعوديين إلى مجرد أرقام لتحسين نسب الامتثال أو تجنب العقوبات، دون تمكين أو تدريب أو إنتاجية حقيقية.

الأخطر من ذلك أن بعض شركات توظيف العمالة أو الوسطاء التجاريين ساهموا في خلق بيئة خصبة لهذه الممارسات، عبر تقديم حلول شكلية للمنشآت، تقوم على تسجيل موظفين برواتب منخفضة أو وظائف صورية، مقابل الحصول على مزايا برامج التوطين أو تحسين نطاقات المنشأة، بينما الواقع التشغيلي لا يتغير.

هذه الممارسات لا تضر بالدولة فقط، بل تضرب المنشآت الجادة التي تستثمر فعليًا في تدريب وتأهيل السعوديين. فالشركة التي تتحمل تكلفة التوظيف والتأهيل والتطوير تجد نفسها في منافسة غير عادلة مع منشآت تلجأ إلى الالتفاف على الأنظمة بأقل التكاليف.

كما أن التوطين الوهمي يخلق صورة مضللة عن سوق العمل، إذ تبدو الأرقام إيجابية على الورق، بينما تبقى بعض الوظائف الحقيقية خارج متناول الباحثين عن العمل، ويظل أثر التوظيف على الاقتصاد المحلي محدودًا.

ومن المهم التفريق بين شركات التوظيف المهنية التي تلعب دورًا مهمًا في تأهيل الكفاءات وربطها بسوق العمل، وبين بعض الكيانات التي تحولت إلى أدوات للمتاجرة بنسب التوطين دون أي قيمة مهنية أو تنموية، فالسوق بحاجة إلى شركات توظيف تبني الكفاءات، لا شركات تبيع نسبًا وملفات امتثال مؤقتة.

التحركات الأخيرة من الجهات الرقابية تؤكد أن المرحلة القادمة لن تركز على نسب التوطين فقط، بل على جودة الوظائف واستدامتها وقياس الأثر الفعلي لتمكين السعوديين داخل القطاع الخاص، وهذا توجه مهم، لأن الاقتصاد لا يُبنى بالأرقام الشكلية، بل بالكفاءات المنتجة.

إن نجاح التوطين لا يتحقق عبر الالتفاف على الأنظمة، بل عبر بناء بيئة عمل جاذبة، وتطوير المهارات، ورفع الإنتاجية، وربط الأجور بالكفاءة والإنجاز، فالسعودي لم يعد يبحث فقط عن وظيفة، بل عن فرصة حقيقية للنمو والمشاركة في بناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.

إن التوطين الوهمي قد يرفع الأرقام مؤقتًا، لكنه لا يصنع اقتصادًا قويًا، ولا يبني سوق عمل صحيًا، ولا يحقق مستهدفات الرؤية، أما التوطين الحقيقي، فهو استثمار طويل الأجل في الإنسان السعودي، وهو الرهان الأهم لمستقبل الاقتصاد الوطني.

 

نقلا عن الرياض