تسير قافلة التطوير التشريعي في السعودية بخطى ثابتة، فبعد نظام المعاملات المدنية الذي أحدث نقلة موضوعية في ترسية العلاقات المدنية، وآليات التعاقد وبيان الحقوق، وكذلك نظام الإثبات، وأنظمة أخرى كثيرة، يأتي اليوم نظام التعليم العام لينهي حقبة طويلة من التعليم العام ويعلن بدء حقبة جديدة تتحور حول بناء مؤسسة تعليمية متطورة.
وإذا كانت الحوكمة مبنية أساسا على 4 نظريات أولها وأهمها هي نظرية المؤسسات فإن تحقيق هذه النظرية لا يتحقق ما لم يكن هناك تشريع مرجعي يمكن من خلاله بناء المؤسسة التعليمية وتعريفها، ولن يتم تعريف المؤسسة ما لم يتم تعريف التعليم نفسه، وهذا ما أرسته المادة الثانية بكل وضوح، فلقد نصت بأن الهدف من التعليم العام هو تحقيق الجودة وحسن الأداء في التعليم لبناء الطلاب دينيًّا ووطنيًّا وقيميًّا وعلميًّا وثقافيًّا ومهاريًّا.
وهذه العبارات الشاملة تم تخصيصها في ذات المادة ب (12) فقرة جاء من بينها غرس العقيدة الإسلامية والإيمان بالله، وتعزيز القيم المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، والاعتزاز بالدين الإسلامي. تعزيز الولاء والطاعة لولاة الأمر، والانتماء للوطن ومحبته، والالتزام بالأنظمة، والتقيد بها، وتأكيد أهمية الأسرة بوصفها نواة المجتمع.
يؤكد دوجلاس نورث مؤلف كتاب "المؤسسات، التغيير المؤسسي والأداء الاقتصادي"، أن الدور الرئيسي للمؤسسات في المجتمع هو الحد من عدم اليقين من خلال إنشاء هيكل مستقر للتفاعل البشري، فمن الأعراف إلى القواعد ومعايير السلوك إلى القانون التشريعي والعقود بين الأفراد، تتطور المؤسسات.
بمقارنة هذا المفهوم مع ما حدث في التعليم العام في السعودية نجد مراحل أولها سادت فيها أعراف الكتاتيب، لتصبح تلك الأعراف قواعد عامة للسلوك التعليمي مع إنشاء وزارة المعارف سابقا، قبل أن تتحول إلى وزارة التربية والتعليم، ومع ذلك فلا يمكن القول أن التعليم في السعودية كان بلا حوكمة حتى اليوم بل كانت جهود كبيرة منذ اللحظات الأولى لنشأة الدولة السعودية عندما تم إنشاء مديرية المعارف ثم مجلس المعارف 1346 واللجنة العليا لسياسة التعليم في 1383هـ التي أقرت مناهج التعليم في جميع مراحله وما يتبعها من لوائح.
ومن أجل ذلك صدر عن اللجنة وثيقة سياسة التعليم السعودية التي عرفت نفسها بأنها "الخطوط العامة التي تقوم عليها عملية التربية والتعليم أداءً للواجب في تعريف الفرد بربه ودينه وإقامة سلوكه على شرعه وتلبية لحاجات المجتمع وتحقيقا لأهداف الأمة" وكانت مكونة من (9) أبواب و(236) مادة تحدد الاتجاهات والمنطلقات والأهداف العامة والفرعية للتعليم وكانت تعتبر المرجع الأساس للتعليم في البلاد.
لكن تلك المراحل بكل ما فيها من جهود هائلة لم ترس نظاما تشريعا بالمعنى المفهوم للنظام، بل خطوطا تأسيسية لصياغة اللوائح التنفيذية، فالسياسات العامة للتعليم العام تمثل إطارا مرنا يقود إلى لوائح وقرارات تنفيذية، ما أوجد فضاءً واسعا من اللوائح والتعاميم التي قد يعارض بعضها بعضاً، أو قد تهتم بجانب وتهمل آخر، فتجد في موقع وزارة التعليم (143) وثيقة تمثل خليطاً واسعاً من أنظمة وتعليمات وضوابط وأدلة في جميع موضوعات وقضايا التعليم.
فمثلا تجد الضوابط التنظيمية لمرحلة رياض الأطفال والضوابط التنظيمية لمرحلة الحضانة، وفي مكان آخر تجد الدليل التنظيمي لمرحلة رياض الأطفال ومرحلة حضانة الأطفال، وهكذا تشتت يمنع إنتاج مؤسسات تعليمية عالية الجودة وفقا لنظرية دوجلاس، فالهدف الأساسي للأنظمة والسياسات (والحوكمة عموما) هو إنتاج تلك المؤسسات التي تسهم في الحد من عدم اليقين من خلال إنشاء هيكل مستقر للتفاعل البشري.
بصدور نظام التعليم العام بقرار مجلس الوزراء رقم (103) وتاريخ 22/01/1448هـ، تم إلغاء (8) أنظمة ولوائح منها نظام تعليم الكبار ومحو الأمية، والسياسة العامة للتعليم في السعودية، ولائحة تنظيم المدارس الأهلية، وغيرها، وهذا هو ما تمليه الحوكمة الصحيحة لبناء هيكل مستقر تبنى عليه المؤسسات.
ولهذا جاء النظام الجديد بأحد أهم بنوده وهو السماح بإنشاء مدارس متخصصة ذات مسارات محددة مثل البرمجة والعلوم، وهذا ما يظهر مفهوم بناء المؤسسات التعليمية لمقابلة التحولات المتجددة لدى المجتمع في التعليم المتخصص، وكذلك مدارس متخصصة في رعاية الموهوبين، مع إلزام المدارس الخاصة بالاعتماد المدرسي في خطوة ذات أثر بالغ، كما أكدت المادة السادسة على أن تكون مدارس تعليم البنات ما بعد مرحلة الطفولة المبكرة مستقلة عن مدارس تعليم البنين.
ولا يسري ذلك على مؤسسات التعليم الخاصة أو على بعضها وفق ضوابط يضعها المجلس ويعتمدها مجلس الوزراء، فأنهت هذه المادة مشكلة التمييز بين المؤسسات الأهلية والمؤسسات الأجنبية فكلاهما أصبح مؤسسة خاصة في نظر النظام وتخضع للمواد ذاتها.
ومما يجدر الإشارة إليه أن تشكيل مجلس شؤون التعليم العام تضمن مشاركة مجتمعية مع تعيين 4 أعضاء من المختصين ذوي الخبرة في مجالات التعليم، على أن يكون من بينهم ممثلان من القطاعين الخاص وغير الربحي.
بهذا الوضع يصبح الطريق اليوم ممهدا لبناء مؤسسات التعليم وصروحه المختلفة لتحقيق تنوع واسع في خيارات المجتمع وجميعها ذات مرجعية نظامية واحدة يمكن التقاضي وفقا لها بكل وضوح وشفافية بما يقلل عدم اليقين إلى أدنى حد وهو ما يفتح باب الاستثمار في التعليم على مصراعيه، ويبقى التحدي قائما في رفع كفاءة هذه المؤسسات بجميع عناصرها لتعظيم المنفعة من التعليم العام وفقا لأهدافه وليس تعظيم الربحية.
نقلا عن الاقتصادية


