بمقارنة إغلاق نهاية العام 2025، فقد ارتفع مؤشر سوق الأسهم السعودية بنهاية النصف الأول من العام الحالي بنسبة 3 %، حيث ارتفع مؤشر السوق من 10491 نقطة إلى 10800، وعند مستوى القطاعات فإن التباين سيد الموقف. فبينما ارتفع المؤشر في 12 قطاعا فقد تراجع مؤشر 10 قطاعات، يأتي قطاع التأمين كأفضل أداء، إذ حقق ارتفاعا بنسبة 24 % منذ بداية العام، يليه قطاع الطاقة بنسبة 10%، في المقابل يأتي قطاع الإعلام والترفيه الأكثر تراجعا خلال النصف الأول من العام الحالي بأكثر من 36%، يليه قطاع الرعاية الصحية بأكثر من 12% ثم النقل ب 11%. على مستوى الشركات كان هناك عدد من الشركات التي سجلت تراجعا كبيرا بنسب تراوحت بين 43 % و 38 %.
التباين في الأداء يصبح أكثر وضوحا عندما نغوص أكثر في البيانات، فعند دراسة أداء السوق خلال سنة، نجد شركة بترو رابغ الأكثر ارتفاعا بأكثر من 113% تليها أنابيب الشرق بأكثر من 75% ثم المعمر لأنظمة المعلومات بنسبة تقترب من 70%، بالمقابل كانت شركة نسيج الأكثر انخفاضا بأكثر من 78% تلتها شركة الأبحاث والإعلام بأكثر من 66%، لكن بشكل عام انخفضت 211 شركة خلال العام وارتفعت 64 شركة، فالتباين سيد الموقف كما هو واضح وإن كانت التراجعات أكثر وضوحا.
وهذه هي الحال لو تم دراسة كافة القطاعات، نجد شركات تتراجع وشركات ترتفع بنسب مختلفة على أن عدد الشركات التي انخفضت أكثر، وعند قراءة مؤشر السوق المالية لمدة تتجاوز السنة نجد تباينات في الأداء واضحة فما أن يرتفع المؤشر حتى يعود للتراجع، لكن دون اتجاه ثابت. بالنسبة للمحظوظين الذين ارتفعت أسهم شركاتهم تبدو السوق جيدة وبالنسبة للآخرين سلبية لكن المسألة ليست بهذه العمومية.
اقتصاديا، لا بد أن نفرق بين الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي عند دراسة هذه الأرقام، ولفهم الفرق بين تأثير كل منهما اقرأ التصريح الأخير للرئيس التنفيذي لشركة سابك، والعضو التنفيذي في مجلس الإدارة، مفسرا لتباين في أداء الشركة حيث أشار لظروف اتسمت بحالة عدم اليقين الجيوسياسي، واضطراب في سلاسل الإمدادات، وارتفاع في أسعار الطاقة، ثم أشار إلى أن تركيز الشركة انصب على الانضباط والتميز التشغيلي وتحسين باقة الأعمال، وأن الشركة تحافظ على نهجها المنضبط في تخصيص رأس المال والتكيف مع التغيرات في التدفقات التجارية، وفي مجال الابتكار التجاري.
في مقابل هذا التصريح نجد شركة رابغ تعلن بأن سبب تحقيق صافي الربح بشكل رئيسي هو ارتفاع معدل تشغيل المصانع وزيادة حجم المبيعات وتحسّن هوامش المنتجات المكررة والبتروكيماوية مدعومة بظروف السوق المواتية وعدم توازن العرض والطلب في الأسواق العالمية.
إضافة إلى ذلك، أسهم انخفاض تكاليف التمويل بشكل إيجابي في صافي الربح، فهناك تباين في تأثير الظروف الاقتصادية والجيوسياسية حتى عند مستوى الشركة ولكن الحالة السائدة هي عدم اليقين بشأن تقلبات أسعار الفائدة وهذه لها تأثير متعدى لكافة المصروفات التشغيلية خاصة عند التصدير والاستيراد، فتقلبات أسعار العملة إضافة إلى آليات تقلبات أسعار التأمين، تؤثر بشكل أصبح شبه مستدام على سلاسل الإمداد، وطرق الملاحة البحرية بل وحتى البرية اليوم، كل ذلك له تأثير عميق الأثر على سياسة الشركات وآليات تعاملها مع حالة عدم اليقين السائدة في العالم، هذه التقلبات تتطلب إدارة حصيفة ذات بعد استراتيجي، تتطلب نموذج عمل منضبط تجاه المصروفات، والتوسعات.
على مستوى الاقتصاد الجزئي، أي مستوى القطاع والشركة ومقاييس العرض والطلب، فإن التحدي الأبرز هنا هو في الابتكار، فشركة بترورابغ استطاعت من خلال إعادة الهيكلة أن تحسن من الربحية لكن في شركة نايس ون للتسويق الإلكتروني مثلا نجد خسائرها بنحو 14.5 مرة، وبنسبة 1448% خلال الربع الثاني من 2026، لتصل إلى 19.93 مليون ريال، مقارنة بـ 1.28 مليون ريال من العام الماضي، وتبرر الشركة هذه الخسائر بانخفاض إجمالي زيارات العملاء بنسبة 15.6% إلى 27.12 مليون زيارة، مقابل 32.13 مليون زيارة في الربع الثاني من 2025 وبارتفاع المصاريف البيعية والتسويقية، والمصاريف العمومية والإدارية.
هنا نجد مشكلة تتراوح بين تقلبات حادة في الطلب، قد تكون نتيجة عدة عوامل من بينها سرعة التغيير في تفضيلات المستهلكين، وتغيرات هائلة في طرق الدعاية والإعلان، وتغيرات في التشريعات والمتطلبات التنظيمية، كما أن هناك منافسة شرسة بين طرق البيع الكلاسيكية والطرق المبتكرة مع عودة المشترين للسوق الكلاسيكية نتيجة صعوبات جمة في النقل والشحن والثقة، فالشركات التي تفشل في ابتكار نموذج إداري يتناسب مع المرحلة التي تمر بها الأسواق تخسر بسهولة، بينما الشركات التي لديها قدرة على التغيير والتكيف وإعادة الهيكلة سوف تحقق استدامة مشروطة بالانضباط في الحوكمة.
وفي الخلاصة فالتقلبات التي تشهدها الأسواق المالية عموما والسوق السعودية بشكل خاص، لا تعكس قضية واحدة، ولا يمكن فهمها في إطار التقلبات السياسية وأسعار الطاقة أو الفائدة فحسب، بل هي تقلبات متباينة من قطاع إلى آخر ومن شركة إلى أخرى، وخاصة إذا عرفنا أن سعر السهم لأي شركة ليس مرتبطا بأداء الشركة المالية الذي تعكسه القيمة الدفترية فحسب، بل هناك ارتباط آخر بالمؤشر العام ومؤشر القطاع وارتباطات أخرى.
لذا لا يمكن المراهنة على اتجاه السعر بمجرد قراءة التحليل الفني أو المالي فقط لكن الأمر يتطلب فهم كيف تدير الشركة نفسها في ظل الظروف، وقد يتطلب الأمر تطوير مؤشر للابتكار لكل شركة.
نقلا عن الاقتصادية


