التحول الاقتصادي السعودي

13/07/2026 0
فواز حمد الفواز

المراقب للاقتصاد السعودي لابد أن يحتار من جانب هناك تحول مدروس في قطاع الطاقة كأهم قطاع ليس بالحجم كما يقاس تقليديا كنسبة من الدخل الإجمالي ولكن أيضا من حيث دوره المباشر ماليا وغير المباشر اقتصاديا في كل القطاعات، ومن جانب آخر هناك صور اقتصادية غير مترادفة مع نجاحات أهم قطاع. لذلك هناك ما يكفي من نجاح لإعادة هيكلة القطاعات الأخرى مادام الأساس على درجة عالية من الإنجاز والتفوق، لن أدخل في تفاصيل قطاعات أخرى في هذا العمود ولكن دعني أركز على نجاحات قطاع الطاقة المتجددة خاصة، والاستثمارات الأجنبية المباشرة من خلال ما اطلعت عليه حديثا، الأول تقرير 'ميس': إصلاحات الحوكمة أساس ثورة الطاقة المتجددة في السعودية، والثاني تقرير 'يونكتاد- منظمة الأمم المتجددة للتجارة والتنمية' حول الاستثمارات الأجنبية العالمية المباشرة للفترة 2024-2025. 

تتقدم السعودية بخطى متسارعة نحو تحول جذري في قطاع الطاقة المتجددة، بوصفه ركيزة أساسية من ركائز رؤية 2030. فقد بلغت القدرة المركبة من الطاقة المتجددة في المملكة 17.8 جيجاواط، مقارنة بـ2.8 جيجاواط فقط عام 2023، ومن المتوقع أن تصل إلى 20 جيجاواط بنهاية عام 2026، بعد أن أضافت المملكة وحدها هذا العام 5.5 جيجاواط جديدة. 

وتستهدف المملكة الوصول إلى مزيج طاقة يتوازن فيه الغاز الطبيعي مع المتجددة بنسبة تقارب 50:50 بحلول 2030، وهو ما قد يتطلب ما بين 100 و130 جيجاواط من القدرة المتجددة، مدعومة ببرنامج ضخم لبطاريات تخزين الطاقة، الذي بلغ بالفعل 18 جيجاواط/ساعة ويستهدف الوصول إلى 42 جيجاواط/ساعة بحلول 2030. كما تخطط المملكة لاستثمار نحو 127 مليار دولار في شبكات النقل والتوزيع حتى 2030، إلى جانب شبكة تيار مستمر عالي الجهد بقدرة 16 جيجاواط لربط مناطق التشغيل الرئيسية.

هذا التوسع لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج إصلاحات مؤسسية عميقة استمرت أكثر من عقد: إعادة هيكلة التزامات الشركة السعودية للكهرباء المالية بنحو 65 مليار دولار، وفصل شركة الشراء السعودية للطاقة (SPPC) عام 2022 لتفصل مسؤولية شراء الكهرباء عن نقلها، وآلية اكتشاف الأسعار (PDM) التي رسّخت شفافية التسعير التنافسي ضمن برنامج تطوير الطاقة المتجددة الوطني (NREP). هذه الإصلاحات ساعدت في تحقيق أرقام قياسية عالمياً لتكلفة الكهرباء المتجددة، حيث بلغت تكلفة الإنتاج في محطة الشعيبة 1.04 سنت أمريكي لكل كيلوواط/ساعة، وفي مشروع الدوادمي للرياح 1.33 سنت فقط. كما يدعم هذا المسار مشروع المسح الجغرافي الذي أطلقته وزارة الطاقة، والذي يشمل نشر 1,200 محطة قياس تغطي أكثر من 850 ألف كيلومتر مربع، ما يختصر فترة تطوير المشاريع المستقبلية بما يصل إلى 18-24 شهراً.

على المستوى الإقليمي، تجاوزت السعودية جارتها الإمارات بفارق كبير؛ فبعد أن كانت متأخرة عنها عام 2023 (2.8 جيجاواط مقابل 5.34 جيجاواط)، أصبحت قدرتها الآن أكثر من ضعف قدرة الإمارات البالغة 6.6 جيجاواط، لتتصدر المملكة سوق الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط بفارق آخذ في الاتساع، في وقت تستثمر فيه دول أخرى كالإمارات وعُمان أيضا بكثافة في تقنيات التخزين، لكن بنمط مختلف يعتمد غالباً على محطات هجينة بدل المحطات المستقلة التي تفضّلها السعودية لمرونتها الأكبر.

وتكمن الفرصة الأكبر في ربط هذا التحول الطاقوي بالصناعات الحديثة؛ فالكهرباء الرخيصة والموثوقة، إلى جانب استقرار الشبكة وأتمتة أكثر من 40% من شبكات التوزيع، وتوسع البنية التحتية للنقل، تشكل ركيزة أساسية لجذب استثمارات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، التي تُعد اليوم من أكثر القطاعات جذباً لرأس المال العالمي، خصوصاً مع توقعات بأن تكون هذه المراكز من أبرز محركات نمو الطلب على الكهرباء في المملكة مستقبلاً.

وتتسق هذه الفرصة مع توجه عالمي أوسع، إذ ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالمياً بنسبة 6% لتبلغ 1.6 تريليون دولار في 2025، بحسب تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن الأونكتاد، لكن هذا الانتعاش ظل ضيقاً ومتفاوتاً، إذ استحوذت أكبر 20 اقتصاداً مضيفاً على أكثر من 80% من إجمالي التدفقات، بينما تركّز النمو بشكل لافت في القطاعات الاستراتيجية—مثل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وتقنيات تحول الطاقة—التي استحوذت على 44% من قيمة المشاريع الاستثمارية الجديدة عالمياً، مقارنة بنحو 16% فقط عام 2020، مع العلم أن مراكز البيانات كانت المحرك الرئيسي لهذا النمو في قيمة المشاريع، بينما تراجعت قطاعات أخرى كثيرة من بينها الطاقة المتجددة نفسها على المستوى العالمي، والذي ربما ميزه نسبية للسعودية في المدى الطويل.

هذا التركّز العالمي في القطاعات التقنية والاستراتيجية يمنح السعودية فرصة استثنائية للتموضع كوجهة جاذبة لهذا النوع من الاستثمار: بفضل حوكمتها التي بدأت تؤتي ثمارها، وطاقتها المتجددة الرخيصة القياسية عالمياً، وبنيتها التحتية المتنامية للشبكات والتخزين، تبدو السعودية مؤهلة لالتقاط نصيب متنآم من رأس المال العالمي المتزايد المتجه نحو التكنولوجيا والطاقة، شريطة أن تواصل ترسيخ الشفافية المؤسسية والاستقرار التنظيمي الذي جعلها بالفعل مرجعاً عالمياً في تسعير مشاريع الطاقة المتجددة، وأن تدير بحكمة تحديات النمو المتسارع للطلب الناتج عن التوسع الصناعي ومراكز البيانات معاً. كذلك أشار التقرير إلى أن السعودية ثاني بلد جاذب للاستثمارات الأجنبية في المنطقة دون تفصيل قطاعي بعد الإمارات والتي لديها وضع خاص في نواحي مالية التي قد لا تكون مناسبة لغيرها.

العلاقة بين الاستثمارات الأجنبية والنجاح في الميزة النسبية من مدخل الطاقة المتجددة واضحة ولكن ليس في المدى القصير، ولكن الأهم إدارة المحفظة السعودية كاملة بعقلانية أكثر لأن النجاح في الطاقة عموما والمتجددة خاصة سوف يسهل إعادة هيكلة البنية التحتية وبناء الصناعات التنافسية وتوفير المال لأغراض أخرى لمزيدٍ من المرونة في الاقتصاد. 

 

خاص_الفابيتا