لماذا لم يرتفع سعر النفط؟

01/06/2026 0
فواز حمد الفواز

قد يبدو هذا السؤال غريبًا لأن أسعار النفط ارتفعت بالفعل، لكن السؤال دائمًا نسبي من ناحيتين؛ الأولى أن هذه الأزمة تعتبر من أشد الأزمات التي مرت بالقطاع في أهم مختنق جغرافي، حيث توقف تقريبًا 15% من التصدير العالمي (أي ما يعادل ضعف حجم النقص بسبب حظر النفط العربي كنسبة من التصدير في 1973)، وبالتالي لم يسجل السعر ارتفاعًا قياسيًا وصل إليه في ظل أزمات أقل حدة، والثانية ربما أكثر تعقيدًا: لماذا سعر النفط لا يجاري نسب التضخم على مدى عقود. الرابط بين الناحيتين في العلاقة بين المدى القصير والطويل. لن أستطيع الإجابة على السؤال المركب، ولكن أردت فقط التركيز على ما أعتقد أنه مهم. بدأت الأزمة بفائض بين الإنتاج والاستهلاك مختلف على حجمه، فبينما تبالغ منظمة الطاقة الدولية بأن هناك حوالي مليوني برميل وأقل لدى الأوبك، والتي أثبتت أنها أكثر موضوعية في قراءة السوق.

يبدو أن ارتفاع السعر المتناسب مع النقص في العرض معلق بسبب إدارة المخزون والدور النفسي بأن الأزمة قد تنفرج قريبًا، وأخيرًا قدرة السعودية على توظيف أنبوب الشرق - الغرب، والإمارات إلى حد أقل بتوظيف أنبوب الغرب - الشرق، وأيضًا ربما ساهم رفع الحظر على النفط الروسي، وربما مساهمة محدودة من تعافي النفط الفنزويلي. رصد كل الجزئيات يبدو صعبًا، خاصة أن توقيتها مفاجئ. الأهم في المدى القصير إدارة المخزون، ولذلك يحتاج بعض التفسير.

الدورة العادية للنفط من البئر إلى المستهلك تأخذ تقريبًا تسعين يومًا بما في ذلك النقل والتكرير والتخزين والتوزيع، هذا مهم لأن مدة الأزمة ليست بعيدة عن هذا الإطار الزمني من ناحية، وتوظيف المخزون العالمي من ناحية أخرى قبل الوصول لمرحلة أزمة حقيقية. طبقًا لوكالة الطاقة هناك 6.5 مليار برميل عالميًا في نهاية فبراير 2025، في تناقص حتى وصل أقل من 3 مليارات. مخزون أمريكا الاستراتيجي وصل في وسط شهر مايو 2026 إلى حوالي 400 مليون برميل بعد أن تم سحب منه على عدة مرات منذ أن بدأت الأزمة الحالية. هنا يجب أن نفرق بين الاحتياط للأعمال والذي يصنف كمخزون، ولكنه في الغالب أقرب ما يكون رأس مال عامل، لأن مدة وحجم الإنتاج الأخير يتطلب أن تكون المنظومة الإنتاجية والتكرير والنقل والتخزين والتوزيع لديها ما يكفي لكل مرحلة في الوقت والحجم المناسب، لذلك هناك حاجة لحوالي 1.5 مليار برميل للحفاظ على سلاسل المنظومة عمليًا. بينما نقترب من الدرجة الحرجة، إلا أن بدا أن هناك انفراجًا محدودًا في مضيق هرمز على أثر الأخبار المتفائلة أحيانًا حول فرص نجاح المباحثات، ولكن هذا قابل للتغير بسرعة، وهذا بدوره ينعكس على تذبذب السعر مع كل خبر وقراءة المتاجرون والمضاربون. لذلك أرقام المخزون مهمة، خاصة مع استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

في المدى الطويل ربما الموضوع أكثر تعقيدًا، فهناك عدة نواحٍ فرعية مهمة، فمثلًا يبدو أن تدمير الطلب (نقص هيكلي في الطلب في تفريق عن نقص بسبب الدورة الاقتصادية) يحدث حين تصل الأسعار لأرقام قياسية جديدة تغير اقتصادات كثيرة تعتمد على النفط، فمثلًا حدث ذلك مع اليابان كالدولة النموذج في التصنيع أثناء أزمة الحظر العربي في 1973، بينما اليوم نجد الصين الدولة النموذج في التصنيع أكثر استعدادًا لعدة أسباب منها المخزون، والعلاقة الخاصة مع روسيا بسبب حرب أوكرانيا، والطاقة المتجددة، إلى حد تصدير بعض المنتجات بالرغم من الحد منها في الأسابيع القليلة الماضية، ولكن حتى هنا قد يحدث تدمير للطلب إذا استمرت الأزمة. العامل المهم أيضًا أن أهم عامل عرض في 15 سنة الماضية كان النفط الصخري الأمريكي، وهذا توقف عن النمو وربما يبدو بالانخفاض قريبًا. لكن أيضًا هناك دائمًا مصادر نمو في العرض غير متوقعة وإن لم تكن ضخمة بمفردها كما حدث في قيانا والأرجنتين. كذلك من التطورات انسحاب الإمارات من الأوبك، لديهم تفاؤل غير مثبت عن قدرة مستمرة لرفع الإنتاج خاصة أن آخر رفع كان مكلفًا جدًا، أجد أي ارتفاع أقرب لتعويض الحقول القديمة، على أي حال طبقًا لما ذكرت أدنوك وتوتال سوف تكون هناك عدة أشهر قبل الرجوع إلى مستوى الإنتاج قبل الحرب. تعرضت الأوبك لظروف مختلفة على مدى 60 عامًا الماضية، وكل مرة تستعيد مكانتها بشكل آخر، كذلك استطاعت السعودية التعامل مع المستجدات النفطية والسياسية بمهارة ومرونة، وربما آخر وأهم تطور درجة التنسيق تحت منظمة أوسع - الأوبك +. شاهدنا أيضًا درجة من التنسيق بين الأوبك ومنظمة الطاقة الدولية لأن المنظمة وجدت أن سلاسة السوق تتطلب درجة من التنسيق مع الأوبك. أيضًا في الأخير ما يحكم هو درجة الفجوة بين القدرات الإنتاجية والطلب من ناحية، والتنسيق بين الدول، لذلك هذا فيلم لن ينتهي، فقد شهدت الأوبك عدة خلافات ولكن المصلحة والإجماع أقوى.

السؤال الأصعب في نظري هو لماذا لم يجارِ سعر النفط التضخم على مدى عقود بالرغم من استمرار مركزيته في منظومة الطاقة عالميًا، فمثلًا السعر الذي يجاري التضخم حوالي 140 - 145 دولارًا للبرميل. إجمالًا أردت فقط التركيز بغرض النقاش ورفع الأسئلة إذ ليس لدي إجابات على أوضاع متقلبة ومسائل معقدة. عدم المجاراة تجعل هناك مساحة كافية لتعديل هيكلي في السعر برفعه. الأهم للدول المصدرة أن لا تقع في فخ التكيف مع دخل النفط وكأنه بديل لرفع الإنتاجية، وهذا موضوع أكثر تعقيدًا ويحتاج عدة أبحاث ودراسات غير متوفرة الآن.

 

خاص_الفابيتا