أحدثت التحديات الجيوسياسية أثرا بالغا في اقتصادات دول المنطقة، وسارع بعضها لطلب دعم مالي دولي لتعزيز سيولة اقتصاداتها المتأثرة بتوقف صادراتها النفطية، وتعطل قطاعاتها الاقتصادية الرئيسة.
وبالرغم من الأضرار العميقة التي تعرضت لها اقتصادات دول المنطقة، نجحت المملكة في خفض مخاطر الأزمة، وانعكاساتها على اقتصادها الوطني، من خلال مقوماتها، وقدرتها على مواجهة المخاطر، وبرامجها الإستراتيجية، وجاهزيتها وخططها الاستباقية، وامتلاكها بدائل لوجستية، وملاءة مالية، ورؤية إستراتيجية مكنتها من خفض حدة المخاطر، وتجاوز أزمة إغلاق مضيق هرمز، والحد من تداعياته على صادراتها النفطية ووارداتها من السلع والمنتجات.
تداعيات التوترات الجيوسياسية الإقليمية، على الاقتصادين العالمي والوطني، كانت من الموضوعات المدرجة على جدول أعمال مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. قراءة تحليلية للمشهد الاقتصادي العالمي، وآفاق نموه وسط التوترات الجيوسياسية الإقليمية، وأثر هذه التطورات على الاقتصاد الوطني، وقدرته على التعامل مع المتغيرات، قدمتها وزارة الاقتصاد والتخطيط من خلال تقريرها الدوري، الذي لم يغفل المتغيرات الجيوسياسية، والمخاطر الآنية والمستقبلية على الاقتصاد السعودي.
انعقاد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ومراجعته للوضع الاقتصادي والمالي بكل واقعية وشفافية مطلقة، أمر غاية في الأهمية، ويعكس متابعة الحكومة الدقيقة لكل ما يؤثر على الاقتصاد المحلي، والمجتمع بشكل عام. فالتحديات العالمية، والإقليمية أثرت بشكل مباشر في اقتصادات المنطقة، والمملكة جزء منها، ولا يمكن المضي قدما في البرامج والخطط التنموية، دون التأكد من انعكاسات التحديات الإقليمية، والمخاطر المستقبلية، على النمو والمالية العامة، والقدرة على مواجهة التحديات بأنواعها.
كما أن القطاع الخاص في أمس الحاجة للإحاطة الحكومية المرتبطة بالإنفاق الحكومي، والتعاقدات المستقبلية، والمشروعات التنموية المعتمدة، والخطط التنفيذية التي تؤثر في أداء القطاع الخاص والتزاماته، وربحيته، ومستقبله.
أشار التقرير بوضوح، إلى قدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع المتغيرات، بسبب الملاءة المالية، وجاهزية القطاع اللوجستي في التعامل مع الأزمات، وكفاءة الخطط الاستباقية للجهات الحكومية في حماية الأمن الغذائي، واستدامة تدفق البضائع عبر مسارات بديلة. والأكثر أهمية هو تأكيد المجلس على أن عجلة المشروعات التنموية الكبرى في المملكة مستمرة، ولن تتوقف، بسبب ما تشهده المنطقة من تحديات.
نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 % خلال الربع الأول من العام الجاري، ونمو الأنشطة النفطية وغير النفطية، والأنشطة الحكومية، وتراجع معدل التضخم السنوي، وارتفاع مؤشر القطاع الخاص غير النفطي، وتحسن الميزان التجاري، من المؤشرات الاقتصادية والمالية الإيجابية، التي تعكس مرونة عالية للاقتصاد الوطني وقدرته على الصمود في خضم الأزمات. وهو أمر يعزى، بعد توفيق الله، للإصلاحات الاقتصادية والمالية، والجهود الحكومية التي أسهمت في تحقيق مستهدفات رؤية 2030، وبرامجها الاستشرافية، والإدارة الحصيفة للاقتصاد، وشؤون الدولة. لا يمكن الفصل بين الإدارتين السياسية والاقتصادية، فضبط النفس الذي مارسته المملكة في خضم التحديات الجيوسياسية والمواجهة العسكرية في المنطقة، جنبها الكثير من التداعيات التي ربما لحقت بها لو قررت المشاركة في المواجهة العسكرية التي عرضت المنطقة ودولها لمخاطر متنوعة.
وبالرغم من التحديات الجيوسياسية، حققت المملكة تقدما في تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية لعام 2026، لتصل إلى المرتبة الـ13 عالميا مقارنة بالمرتبة الـ17 في عام 2025، مدعومة بتحسن أدائها في المحاور الرئيسة الأربعة للتقرير، وهي: الأداء الاقتصادي، والكفاءة الحكومية، وكفاءة الأعمال، والبنية التحتية، إلى جانب تقدمها في 15 محورا فرعيا من أصل 20 محورا. وجاءت في المرتبة الثالثة بين دول مجموعة العشرين، ما يؤكد استمرار تحسن موقعها التنافسي عالميا، خاصة في مؤشرات بيئة الأعمال، والاقتصاد، وكفاءة السياسات الحكومية.
مؤشرات مهمة، تحققها المملكة خلال فترة التحول الاقتصادي، ونتائج إيجابية شكلت قاعدة البناء الاقتصادي الحديث، الذي يستهدف تنويع مصادر الاقتصاد والدخل، واستدامة النمو، ورفع تنافسية المملكة، وتحويلها إلى مركزا عالميا، ووجهة استثمارية وسياحية فريدة.
أختم بالتأكيد على أهمية المتابعة الدائمة والدقيقة، من مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، لمتغيرات الاقتصاد العالمي، والتوترات الجيوسياسية الإقليمية، وانعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني، والاستفادة من دروس الأزمة، لتعزيز القدرات الشاملة، ومواصلة بناء الاقتصاد على أسس مستدامة، وتحقيق متطلبات الكفاءة الإدارية في شؤون المالية العامة، لتحقيق التوازن والاستدامة المالية، وكفاءة الإنفاق، وجدولة المشروعات بحسب الأولوية، وخفض الدين العام، تحوطا من المتغيرات المستقبلية الحادة، فما يحاك ضد المنطقة ودولها، يفوق بكثير التوترات الحالية، التي ربما شكلت حلقة من حلقات خطة الاستهداف الكبرى، التي يتبناها أعداء الأمة، ما يتطلب الكثير من الحذر والمتابعة والتحوط وفق رؤية إستراتيجية محققة للأمن الوطني الشامل.
نقلا عن الجزيرة


