لا يمكن النظر إلى الاتفاق النووي السعودي الأميركي من زاوية واحدة، وبمعزلٍ عن زواياه الأخرى، التي ساهمت في التوصل إلى اتفاق نهائي. لكل طرف مصالحه الخاصة، ومخاوفه، ولولا رجاحة كفة المصالح على المخاوف، للجانبين، لما تم الاتفاق الذي لم يكن وليد أزمة، كما يعتقد بعضهم، بل هو نتاج مباحثات استمرت لنحو عشر سنوات، فمنذ العام 2016 وضعت المملكة ضمن مستهدفات رؤية 2030 هدف تنويع مصادر الطاقة، وإدخال الطاقة النووية كمصدر رئيس لتوليد الكهرباء، واستثمار مخزون اليورانيوم محليا للأغراض السلمية، وتنويع مصادر الاقتصاد، وجميعها مرتبطة بالطاقة النووية، وبالرغم من الشراكة السعودية الأميركية، التي أعطت الجانب الأميركي أولوية التنفيذ، فتحت المملكة خطا بديلا للمباحثات مع دول أخرى، ومنها الصين، تحسبا لأي قرار أميركي قد يحرم المملكة تنفيذ مشروعها النووي السلمي.
للاتفاق النووي انعكاسات إستراتيجية أمنية واقتصادية وسياسية، فمن الجانب الأمني، تسعى المملكة لتحقيق أمنها الوطني من جانبين رئيسين، يرتبط الأول بتطوير القدرات الأمنية السعودية، وامتلاك تقنيات الطاقة النووية وإن كانت للأغراض السلمية، فتطوير البنية التحتية للطاقة النووية، وامتلاك المفاعلات، وتقنياتها، وتدريب الكفاءات السعودية على إدارتها، يعطي المملكة مفاتيح المنظومة النووية، وقدرات تقنية يمكن استثمارها مستقبلا لتطوير القطاع، وقطاعات موازية لا يمكن الاستغناء عنها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فامتلاك القوة النووية السلمية، يبعث برسائل واضحة إلى دول المنطقة، بقدرات المملكة التي ستستخدمها لتحقيق أمنها واستقرارها، وأمن المنطقة، وتنميتها. امتلاك قوة ردع في عالم تحيط به التحديات من كل جانب، يفترض أن تكون له الأولوية والأهمية القصوى.
ويرتبط الجانب الثاني بتحقيق أمنها الاقتصادي وتنميته، وتنويع مصادره وتلبية الطلب المتنامي على الكهرباء، وتحقيق متطلبات الأمن الإستراتيجي الشامل الذي يعتمد على الاقتصاد المزدهر، واستثمار الثروات المتاحة، ونقل التقنية، وتوطينها، وخلق قطاع اقتصادي جديد، يسهم في تحقيق مجموعة من المستهدفات المختلفة.
ستفتح الاتفاقية النووية أبواب الشراكة الاقتصادية والتدفقات الاستثمارية بين البلدين، وستسهم في زيادة حجم الطاقة المنتجة محليا ما يسهم في تنمية القطاعات الاقتصادية، وتلبية حاجتها من الطاقة، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بمعزل عن مضاعفة إنتاج الطاقة. كما ستسهم في خفض الاعتماد على النفط والغاز لتوليد الكهرباء، وبالتالي تصدير الكميات التي يتم توفيرها وبما يحقق عوائد أكثر لخزينة الدولة.
هناك فوائد اقتصادية أخرى، مرتبطة بالجانب الأميركي، الذي ستستفيد شركاته من فرص استثمارية بعشرات المليارات من الدولارات، وهي من المزايا المرجحة لتوقيع الاتفاقية، فالرئيس ترامب طالما اتخذ قرارات سياسية جريئة، لانعكاساتها الاقتصادية المهمة، وفوائدها على الشركات الأميركية، ولولا الفوائد الاقتصادية التي ستتحقق للأميركيين لما تم الاتفاق. أما المملكة فاستفادتها الاقتصادية من الاتفاقية أكثر وضوحا، وتحقيقا للمنفعة المرجوة، فلا يمكن تنفيذ مستهدفات الرؤية، وبناء اقتصاد مزدهر، قائم على التقنيات الذكية، والتقنيات المتقدمة، ويحاكي الاقتصادات المتطورة دون توفير مزيد من الطاقة الكهربائية، لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية، وهو أمر يتطلب التوسع في تنويع مصادر الطاقة، وإدخال الطاقة النووية في مزيج الطاقة السعودي، مع الأخذ في الاعتبار أهمية تحقيق مستهدف توفير 50% من الطاقة عن طريق مصادر بديلة.
سياسيا، يبدو الأمر أكثر تعقيدا في الولايات المتحدة، فإعلان الاتفاقية أدى إلى تعالي الأصوات الأميركية المعارضة، وجميعها مرتبطة بالكيان الإسرائيلي، ونظرا لحساسية موقف الإدارة الأميركية، التي لا ترغب أن تتعرض لمفاجآت في نسبة مؤيديها، وبالتالي توجه الناخبين مستقبلا، حاول الرئيس دونالد ترامب الربط بين الاتفاق النووي، والانضمام إلى الاتفاقية الإبراهيمية، وهو شرط لم يتضمنه الاتفاق، الأمر الذي حمل البيت الأبيض على توضيحه لاحقا. هناك جانب مهم في العلاقات السياسية بين البلدين، فالمملكة تمتلك قرارها النهائي، وبالتالي فأي تعثر في إمضاء الاتفاق النووي يعني لجوءها لتأمين احتياجاتها من مصادر أخرى، والصين إحداها، وهو ما لا يرغب به الأميركيون.
أميركا لا تريد للصين أن تتمدد، وتسعى للحد من شراكتها مع المملكة، خدمة لمصالحها الإستراتيجية، وهذا من أهم الأسباب التي مهدت لتوقيع الاتفاق النووي، بعكس المملكة التي تحتفظ بعلاقات قوية مع الصين، وكانت قريبة من الاتفاق معها على تنفيذ مشروعها النووي، لولا عودة المباحثات السعودية الأميركية، مع التأكيد بإنجاز الاتفاق دون شرط بدء العلاقات مع إسرائيل. قد تكون أميركا الخيار المفضل للشراكة النووية، إلا أنه ليس الخيار الأوحد، ما أعطى المملكة قدرة أكبر على التمسك بشروطها، والإصرار على موقفها الرافض لتقديم تنازلات مرتبطة بالاتفاق الإبراهيمي، وإن حاول ترامب التصريح به لتهدئة معارضيه في الولايات المتحدة وإسرائيل.
نقلا عن الجزيرة


