مشكلة كيمانول .. ليست مجرد قوائم مالية لم تنشر

21/06/2026 0
د. محمد آل عباس

نشرت شركة كيمائيات الميثانول (كيمانول) في موقع تداول في 11 مايو الماضي اعتذارها عن نشر النتائج المالية الأولية للفترة المنتهية للربع الأول من 2026، نظراً لعدم اكتمال إجراءات المراجعة للقوائم المالية السنوية للعام المالي 2025 حتى تاريخه، محاسبيا هذا يدل على مشكلة كبيرة في أرصدة الحسابات، وعدم اتفاق بين المراجع الخارجي وإدارة الشركة حول الأرصدة، قد تكون المشكلة ذات صلة بتطبيق المعايير، أو أن هناك أخطاء جوهرية في إعداد الأرصدة.

فإعلان الشركة عن "صعوبة إصدار القوائم المالية للربع الأول من العام المالي 2026 قبل الانتهاء من القوائم المالية السنوية" لا تحدث إلا بسبب عدم قبول الأرصدة الافتتاحية للعام 2026، (التي هي نفسها أرصدة اغلاق العام 2025م)، فإذا كان هناك عدم اتفاق حول أرصدة الإغلاق، فإن أرصدة الافتتاح للعام التالي ستكون جزءا من المشكلة أيضا وستنتقل للقوائم المالية الربعية واحدا تلو الآخر.

لفهم المشكلة بشكل أعمق قمت بمراجعة القوائم المالية للعام 2024 ولم أجد ما توقعته، فلم يكن هناك تحفظ من المراجع الخارجي لكنه لفت الانتباه لمسألة الشك في استمرار الشركة نظرا لأن المطلوبات المتداولة للمجموعة تجاوزت أصولها المتداولة بواقع (168.5) مليون ريال، كما لم تسدد الشركة بعض أقساط القروض المستحقة على شركاتها التابعة المستحوذ عليها ونشأ عن عدم الامتثال قروض بقيمة (144.8) مليون صُنفت كمطلوبات متداولة.

لكن بعيدا عن مشكلة القوائم المالية والمراجع فإن حالة شركة كيمانول مع الخسائر لافتة، فهي تعمل في سوق جيدة عموما، فالشركة تبيع سائل الفورمالدهيد واليوريا فورمالدهيد أو خليط منهما، وبالرجوع لتقارير السوق في هذا الشأن نجد حجم سوق اليوريا فورمالديهايد العالمي يبلغ 7.8 مليار دولار أمريكي في 2024، مع توقعات بالوصول إلى 12.3 مليار دولار أمريكي بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 4.7%، إذن أين المشكلة؟ مبيعات الشركة للعام 2024 بلغت أكثر من 710 ملايين وحققت إجمالي ربح قدره 96 مليونا، لكن في مقابل هذه الأرباح هناك مصروفات هائلة للتوزيع بلغت 95 مليونا ومصاريف إدارية ضخمة بلغت 105 ملايين.

واذا حللت مصاريف التوزيع وجدت مصاريف الشحن وحدها قد بلغت 70 مليونا، (لاحظ أن تكلفة الشحن الآن منفصلة عن تكلفة المبيعات)، فالشركة في قوائمها المالية تقول بأنها "لا تعترف بالإيرادات إلا عندما تنتقل السيطرة على المنتجات المبيعة إلى العميل"، وهذا يعني أن الشركة تتحمل جميع المخاطر المتعلقة بالشحن، لكن هذا يوحي بأن هذه التكلفة (الشحن والتأمين) لا تدخل في آليات التسعير، فهي مصاريف بعد خصم تكلفة المبيعات وهذا يصعب فهمه لأن تكلفة الشحن 70 مليونا استغرقت معظم هامش الربح.

وهذه الإستراتيجية في البيع غريبة إلا أن يكون التسعير خارج سيطرة الشركة وفي سوق عالمية تشهد إغراقا أو تشبعا بحيث إن الأسعار لم تغط تكلفة الشحن لكن هذه الفرضية لا تستقيم إذا عرفنا أن تكلفة الشحن ترتفع على الشركة من عام إلى آخر بالرغم من أن المبيعات تنخفض، وهذا يتطلب تفسيرا!  لا تعاني الشركة مصاريف الشحن فقط بل تعاني بشدة من مصروفات إدارية ضخمة تجاوزت 105 ملايين، لكن الغريب فيها أن نسبة 30%  من هذه المصروفات تم توجيهها للاستشارات في مجال تقنية المعلومات واتعاب مهنية قانونية، وهذا مصروف ضخم جدا مقارنة بإيرادات الشركة والسوق التي تعمل فيها.

بقي ما يتعلق بالاستحواذ على شركة كيماويات الدار، حيث أبرمت الشركة اتفاقية مع (5) من المساهمين في كيماويات الدار للاستحواذ على 84% من الشركة، لكن عمليات الاستحواذ تعرضت لمشاكل تحولت لاتهامات خطرة، فقد أعلنت الشركة في 2025  عزمها إجراء تحقيق جنائي (Forensic Audit)  بشأن صفقتي الاستحواذ على شركة كيماويات الدار والشركة العالمية للصناعات الكيميائية اللتين تم الاستحواذ عليهما خلال دورة مجلس الإدارة السابق، خاصة بعد التأثير السلبي للشركتين المستحوذ عليهما على نتائج كيمانول وقد تم الانتهاء من إعداد التحقيق في ديسمبر 2025 اتضح من خلال هذه النتائج أن هناك مخالفات تخص تضارب مصالح بين بعض أعضاء المجلس السابق واللجان المنبثقة عنه وبعض الملاك السابقين للشركتين المستحوذ عليهما وعدم قيام بعض أعضاء المجلس السابق ببذل العناية اللازمة لمهامهم وواجباتهم .

وقد تسببت هذه التحقيقات في اعتراف شركة كيمانول بخسائر من الاستحواذ (خسائر تقييم شهرة) بقيمة 127 مليون ريال. لا مزيد من التعليق، مشكلة كيمانول من وجهة نظري ليست في السوق الذي تعمل فيه بل في مفهوم الشركة (Firm Theory)، في نظام الرقابة الداخلية الذي يسمح بارتفاع المصروفات إلى هذا الحد، نظام رقابة داخلية يمكن لأي مجلس إدارة إيقافه عن العمل بلا رقيب.

 

نقلا عن الاقتصادية