"في أسهم النمو يتوقع المستثمرون زيادة مستقرة في الأرباح، أما في الأسهم الدورية فالمهارة تكمن في اقتناصها في اللحظة المناسبة: بعد أن تكون دورة اقتصادية قد حطمت سعر السهم تحطيما كاملاً، ولكن قبل أن تبدأ الأرباح في الظهور"،جون نيف.
تهدف هذه المقالة إلى إلقاء الضوء على كيفية الاستثمار في قطاع البتروكيماويات وكيفية تحليل الأسهم الدورية. ففي الصناعات الدورية، قد تكون الأرباح أو الخسائر الحالية مضللة للمستثمر غير المحترف. وأيضاً، قد تكون الخسائر، وشطب الأصول، وتقليص الطاقة الإنتاجية، علامات جوهرية على بدء عملية التوازن لبداية دورة صناعية جديدة بالكامل.
متى تكون الخسائر وضعف الهوامش مثيرة للاهتمام؟
تعاني أسهم شركات البتروكيماويات اليوم من أسوأ دورة في تاريخ القطاع منذ عام ١٩٧٨-١٩٨٠ ميلادي. يعاني القطاع حالياً من خسائر متراكمة، وهوامش ربحية ضعيفة، وانخفاض حاد في قيمة بعض الأصول، إلى جانب نظرة مستقبلية متشائمة ومفرطة في السلبية من قِبل المتداولين. هذه العوامل قد تبدو للوهلة الأولى كأسباب كافية لتجنب الاستثمار في قطاع البتروكيماويات بشكل قاطع.
لكن الاستثمار في القطاعات الدورية يتطلب طريقة مختلفة تماماً في التحليل، وقراءة ما وراء العناوين الإخبارية السلبية. السؤال الجوهري هنا: هل هذه الأساسيات الضعيفة تعكس تدهوراً دائمًا وهيكليًا في القطاع، أم أنها جزء من عملية طبيعية وصحية تمر بها الأسهم الدورية للتخلص من فائض المعروض وإعادة ترتيب السوق؟
لماذا تصنف أسهم البتروكيماويات من القطاعات الدورية؟
عند النظر إلى رسم بياني تاريخي لحركة سهم في قطاع دوري، يظهر لنا نمط واضح يتكون من ارتفاعات قوية وممتدة، متبوعة بانخفاضات حادة وعميقة، تشكل ما يشبه المسار العرضي على مدى سنوات طويلة. هذا التذبذب الحاد في الأسعار ناتج عن كون أرباح هذه الشركات تتأثر بدرجة قصوى بحركة الدورة الاقتصادية العامة أو دورة الصناعة الخاصة بها.
هذا التذبذب الحاد بين الربح الوفير والخسارة القاسية لا تجده في القطاعات غير الدورية (كالقطاعات الاستهلاكية الدفاعية أو الرعاية الصحية) بنفس الحدة. ففي القطاعات غير الدورية، تكون الأرباح الحالية مؤشراً معقولاً ومستقراً على الأرباح المستقبلية نوعاً ما؛ ولكن في القطاعات الدورية، قد تكون الأرباح القياسية الحالية هي مجرد نهاية دورة ارتفاع متفائلة، تليها خسائر مستقبلية حادة وغير متوقعة.
ومن أبرز العوامل التي تجعل هذا القطاع دورياً بامتياز هو وجود تكاليف ثابتة عالية جداً ناتجة عن كثافة الأصول طويلة الأجل، مثل المصانع الضخمة والمكلفة. بالإضافة إلى ذلك، فإن إنشاء الكثير من هذه المصانع يستغرق سنوات طويلة، وغالباً ما تُتخذ قرارات التوسع في أوقات تشهد فيها أسعار المنتجات ارتفاعات حادة وتفاؤلاً مفرطاً.
يحدث هذا الخلل نتيجة وجود فجوة معلوماتية زمنية بين العرض والطلب. فالأسعار في الأسواق تنقل عادةً إشارات فورية عن قوى العرض والطلب؛ فكلما ارتفع السعر، عكس ذلك طلباً قوياً، والعكس صحيح. ولكن في القطاعات الدورية مثل البتروكيماويات، فإن ارتفاع الأسعار يغري الشركات بالتوسع لزيادة الأرباح، والمشكلة أن جميع المنافسين يحصلون على الإشارة نفسها في الوقت ذاته. بناءً على ذلك، تبدأ الشركات كلها بالتوسع المتزامن، ونظراً لأن هذه المشاريع مكلفة وتستغرق سنوات للبناء، فإن المعروض الجديد يأتي متأخراً في وقت تكون فيه الأوضاع الاقتصادية قد تغيرت، مما يخلق فائضاً هائلاً في المعروض يؤدي إلى انهيار أسعار المنتجات وتحقيق الشركات لخسائر دفترية قاسية. هذه الفجوة الزمنية بين العرض والطلب هي المحرك الرئيسي والوقود الحقيقي للقطاعات الدورية.
دورة رأس المال لفهم القطاعات الدورية
يميل المحللون في الغالب إلى التركيز المفرط على جانب الطلب في تحليل الشركات: هل سينمو الطلب على المنتجات؟ هل ستنمو المبيعات؟ وهل العوامل الاقتصادية الكلية قوية؟ ولكن في قطاع البتروكيماويات والقطاعات الدورية بشكل عام، يكون جانب العرض هو العامل الأكثر أهمية، فقد يكون هناك طلب قوي ونامٍ بالفعل، ومع ذلك تحقق الشركات خسائر حادة إذا نما العرض وازدادت الطاقات الإنتاجية بسرعة أكبر من نمو هذا الطلب.
لكي نفهم لماذا تحولت شركات البتروكيماويات من الربحية العالية الاستثنائية بين عامي ٢٠١٨ و٢٠٢١ إلى خسائر استثنائية في سنوات قليلة، نحتاج إلى فهم "دورة رأس المال". هذا الإطار الفكري لفهم التقلبات في الربحية في القطاعات المختلفة تم الحديث عنه في كتاب دورة رأس المال للمهتمين بالتوسع في هذا الموضوع.
تنقسم دورة رأس المال إلى ١٢ مرحلة تمر بها دورة الصناعة في أي قطاع كما في الجدول التالي:

بناءً على هذا الإطار، لا يكفي للمستثمر الذكي أن يعرف أن الشركات تحقق خسائر فحسب، بل يجب عليه التحقق مما إذا كانت هذه الخسائر بالسوء والعمق الكافيين اللذين يدفعان الصناعة بأكملها نحو التغيير وإعادة التوازن بين العرض والطلب من خلال خفض الإنفاق الرأسمالي، وإغلاق الأصول عالية التكلفة، وخروج اللاعبين الأضعف من الصناعة.
مفهوم دورة رأس المال أيضاً تم طرحه في الأبحاث الأكاديمية فيما يعرف بظاهرة نمو الأصول في دراسة شهيرة في دورية التمويل المحكمة نُشرت في عام ٢٠٠٨، وجد مايكل كوبر وزملاؤه أن معدل نمو أصول الشركة يعد مؤشراً قوياً على العوائد المستقبلية للأسهم، وأن الشركات ذات النمو المرتفع في الأصول تميل إلى تحقيق عوائد مستقبلية أقل من الشركات ذات النمو المنخفض في الأصول. هذه النتيجة قد تبدو غريبة في البداية. فالمتعارف عليه عند المتداولين أن الشركات التي تعلن توسعات كبيرة وتزيد أصولها بأنها شركة نمو واعدة. ولكن بمفهوم دورة رأس المال، فإن التوسع الكبير غالباً يحدث عندما تكون الأرباح مرتفعة والتفاؤل مفرطاً، مما يشجع شركات كثيرة على التوسع، ويتحول التوسع من سلوك شركة إلى سلوك جماعي يؤدي إلى فائض في الطاقة الإنتاجية من كل الشركات.
دورة رأس المال في السوق السعودي
قمت بعمل محاكاة تاريخية لمحفظة موزونة بالتساوي تستثمر في الشركات ذات النمو العالي في الأصول لفترة عشر سنوات لمعرفة هل تنطبق ظاهرة دورة رأس المال في سوقنا أم لا. الرسم البياني المرفق يوضح أن المحفظة الافتراضية حققت عائداً قدره ٤٢٪ في عشر سنوات، وهو أقل من عائد المؤشر المقدر بـ١٢٥٪. النتيجة: عوائد أقل من السوق، وهي غير مفاجئة ومتوافقة مع الأبحاث الأكاديمية.

منهجية تقييم الشركات الدورية
إن إعلانات الخسائر في القطاعات الدورية بحد ذاتها لا تعطي تصوراً دقيقاً عن القيمة الجوهرية للشركة، بقدر ما تعكس موقعنا الحالي في دورة الصناعة. وكما يقول المستثمر الشهير "هاورد ماركس": ليس المهم معرفة المستقبل، بقدر أهمية معرفتك بمكانك الحالي في الدورة.
ولذلك ركز عميد المحللين بنجامين غراهام على هذه النقطة بدقة في كتاباته حول تقييم الأسهم، حيث شرح عدة طرق لتقييم الشركات الدورية، من ضمنها: الأرباح المعدلة للدورية، والتقييم بناءً على المركز المالي وتكلفة الإحلال.
حالة دراسية: شركة ينساب

عند تحليل الرسم البياني للأرباح التاريخية لشركة ينساب، نجد أن متوسط ربحيتها طويل الأجل يقف في حدود ١٫٦ مليار ريال سنوياً، مقارنة بربحية حالية متدنية جداً تقارب ٧٦ مليون ريال فقط. كما يظهر الرسم البياني أن الشركة حققت ٣ مليارات ريال كأعلى ربحية لها في قمة الدورة، مقابل خسارة نصف مليار ريال في القاع.
يبين غراهام أننا إذا قيمنا "ينساب" بناءً على أرباح القمة (٣ مليارات)، فسوف نبالغ في تقييمها بشكل خطير، والعكس صحيح إذا قيمناها بناءً على أرباح قاع الدورة الحالية. الحل يكمن في استخدام "الأرباح المعدلة دورياً"، وهي أرقام تقديرية تزيل أثر الظروف الاستثنائية العابرة للدورة الهابطة أو الصاعدة.
كحسبة تقديرية مبسطة، يمكننا أخذ المتوسط التاريخي للمبيعات وهوامش الربح لنحصل على ١٫٨ مليار ريال كربح تشغيلي دوري متوقع (على فرضية عدم تغير الطاقة الإنتاجية أو نموذج العمل، سعر اللقيم الخ). أما المحللون المحترفون فيعتمدون على نماذج أكثر دقة تدمج متوسطات أسعار المنتجات العالمية، ومعدلات تشغيل المصانع، وأسعار اللقيم مقارنة بالمنتج النهائي وعوامل أخرى أكثر تفصيلاً.
فلو فرضنا أن تكلفة رأس المال لشركة ينساب في حدود ١٠٪، واعتبرنا ١٫٨ مليار ريال هو تقدير مبدئي للأرباح المعدلة دورياً، فإن القيمة العادلة للمنشأة ستكون في حدود ١٨ مليار ريال. وعند مقارنة ذلك بقيمة المنشأة السوقية الحالية البالغة حوالي ١٦٫٧ مليار ريال، نستنتج أن السهم يتداول حالياً بخصم عن قيمته العادلة الدورية. الهدف هنا ليس دقة الأرقام المطلقة، بل معرفة مقدار "هامش الأمان" المتاح بناءً على فرضيات مختلفة، فالقيمة الجوهرية هي نطاق وليست رقماً ثابتاً.
جراهام يقول إن هذا التقييم لا بد من مقارنته بكم استثمر داخل الشركة من رأس مال. المركز المالي يعطي تصوراً عن حجم رأس المال الذي تم ضخه داخل هذه الشركة. بالنظر إلى المركز المالي لشركة ينساب، نجد أن الشركة تمتلك أصولاً في حدود ١٢٫٧ مليار ريال وقيمة دفترية لحقوق الملاك في حدود ١٠ مليارات ريال. بروفسور غرينوالد من جامعة كولومبيا طوّر على فكرة جراهام أن القيمة الدفترية ليست بالضرورة هي القيمة الفعلية للأصول. لا بد من معرفة كم تبلغ قيمة إحلال أو استبدال هذه الأصول بسعر اليوم. فمثلاً لو اشتريت سيارة وبعد خمس سنوات من الاستهلاك فإن القيمة الدفترية سوف تكون منخفضة ومختلفة عن تكلفة إحلال السيارة بموديل حديث. نفس الفكرة في الشركة، فلا بد من معرفة كم يحتاج شخص ليستثمر لإحلال هذه الأصول بسعر اليوم.
إجابة هذا السؤال لها تداعيات استراتيجية في التقييم. إذا كنت تعتقد أن الصناعة أو الشركة محل البحث سوف تكون موجودة بعد ١٠ و٢٠ سنة، إذًا هذه الأصول سوف تُستبدل لأن لها مردوداً اقتصادياً. ولكن لو كنت تعتقد أن الشركة لن تكون موجودة أو أن الصناعة لا يوجد عليها طلب، فإن هذه الأصول غالباً لن تُستبدل، بل ستصبح خردة، وتُقيَّم الشركة بسعر التصفية، وهو أحد الطرق التي استخدمها جراهام في تقييم الشركات على حافة الإفلاس.
أيضاً، تقييم الأصول من وجهة نظر جراهام هو أنه تقدير متحفظ لقيمة المنشأة بفرضيات متحفظة مقارنة مثلاً بتوقعات الربحية المستقبلية التي يشوبها سوء التقدير في غالب الأحيان. السؤال الآن: كيف نقيم تكلفة إحلال هذه الأصول؟
يوجد طرق مختصرة بدائية، ويوجد طرق احترافية أكثر دقة. لنعمل بالطرق البدائية لأخذ تصور عن تكلفة الإحلال. أكبر وأهم بند في المركز المالي هو بند المعدات والمصانع. هذا البند مسجل بصافي قيمة ٧٫٣ مليار. هذه القيمة طبعاً بعد خصم الاستهلاك المتراكم والذي يقدر بـ١٦٫٢ مليار. هذا يعني أن التكلفة الحقيقية قبل الاستهلاك هي في حدود ٢٣٫٥ مليار. هذه القيمة هي تكلفة المصانع والمعدات عند تأسيسها، ولكن هل سعرها اليوم لإعادة بنائها ارتفع أو انخفض؟
لا بد من أخذ فرضية هنا؛ لنفترض أن تكلفة بنائها اليوم لم تتغير، مع أن اليوم نعرف من الشركات التي توسعت حديثاً مثل المتقدمة كم ارتفعت تكاليف هذه الأصول بأسعار اليوم. ولكن لو فرضنا أن القيمة لم تتغير، فهذا يعطينا تصوراً أن قيمة أصول الشركة لو أردنا استبدالها اليوم سوف تكون أعلى من القيمة الدفترية بسبب الاستهلاك المتراكم، والذي يشكل انخفاضاً محاسبياً وليس اقتصادياً. بإضافة ١٦٫٢ مليار استهلاك متراكم، فإن قيمة إحلال كامل الأصول هي في حدود ٢٩ مليار ريال مقارنة بقيمة المنشأة اليوم في حدود ١٦٫٧ مليار.
العلاقة بين التقييمين المختلفين، ٢٩ مليار من المركز المالي و١٨ مليار بناءً على الأرباح المعدلة للدورية، تخبرنا بقصة عن وضع الشركة الاستراتيجي. انخفاض قيمة الشركة بناءً على ربحيتها مقارنة بقيمة إحلال هذه الأصول ينتج عن عدة أسباب. السبب الأول سوء في الإدارة بأنها لم تستطع توظيف هذه الأصول بالشكل الأمثل لخلق قيمة للمساهمين. السبب الثاني قد يكون بسبب سوء وضع الصناعة نتيجة تدهور في الربحية، إما ناشئ عن دورة صناعة هابطة مؤقتة أو ناشئ عن هبوط نتيجة تغير هيكلي دائم. السبب الآخر قد يكون نموذج عمل الشركة غير جيد ونتج عنه عوائد استثمار منخفضة.
عند النظر إلى المنافسين في كامل القطاع نجد نفس الظاهرة، وهذا بدوره يخبرنا بأن الشركة ربما لا تعاني من سوء إدارة بقدر ما تعاني من تدهور أوضاع الصناعة نتيجة فائض المعروض وأيضا ارتفاع أسعار اللقيم في السنوات الأخيرة. هذه الطريقة التي ابتكرها جراهام تعالج عدة أمور. أولاً، إذا كانت الشركة متوقعاً لها البقاء وسوف تحقق عائداً على الاستثمار مقارباً لتكلفة رأس المال، فإن قيمة إحلال هذه الأصول هي القيمة العادلة. ولكن في حالة حققت الشركة عائداً على الاستثمار أقل من تكلفة رأس المال، فإن قيمة الأصول لا تعكس القيمة الحقيقية. ومن هنا من المهم أن نعرف هل الربحية المنخفضة ناتجة عن تغير هيكلي أو دورية مؤقتة.
بما أن تقييم الشركة بناءً على دورة كاملة أقل من تكلفة إحلال هذه الأصول، نستنتج أن الشركة سوف تظل تتداول على خصم لتكلفة الأصول على مدار دورة كاملة. ولكن الفرصة تُخلق عندما تكون الشركة في دورة هابطة، فإن الأرباح تعاود الارتفاع مجدداً فوق معدل الربحية الدوري. وبالتالي يقوم السوق بتقييم الشركة بناءً على أرباح غير مستدامة ويدفع بالتقييمات بأن تكون أحياناً أعلى من تكلفة إحلال هذه الأصول كما حصل في الدورات السابقة.
ولذلك تجد أغلب الأسهم في مسارات عرضية لسنوات طويلة لأن أغلبها لم تحقق عوائد أعلى أو مساوية لتكلفة رأس المال. ولكن عند الشراء في قاع الدورة يمكن أن تحقق أرباحاً استثنائية في فترة وجيزة. هذا هو ما يخلق الفرص في القطاعات الدورية: الشراء في قاع الدورة والبيع عندما يتفاءل السوق أن الأرباح العالية مستدامة.
هامش الأمان والتوقيت
يذكر جيمس مونتير في كتابه الشهير عن استثمار القيمة، أنه في القطاعات الدورية قد تكون الفكرة الاستثمارية صحيحة تماماً من حيث القيمة، ولكن التوقيت قد يكون خاطئاً ومكلفاً؛ إذ قد تستمر الدورة الهابطة في قطاع البتروكيماويات لفترة أطول مما يتوقعه الجميع.
بناءً على ذلك، لا يكفي فقط أن تتداول الشركة تحت تكلفة الإحلال أو بأقل من أرباحها الدورية، بل الشرط الأساسي واللازم هو قدرة الشركة الماليّة على البقاء والنجاة خلال الدورة الهابطة الممتدة. وأبرز عوامل الأمان هنا هي: الميزانية القوية، والتدفقات النقدية التشغيلية الإيجابية، والمديونية المنخفضة. وكما يختصر مونتير: "يمكن للدين أن يحوّل استثماراً جيداً إلى استثمار سيء، ولكنه لن يحوّل أبداً استثماراً سيئاً إلى استثمار جيد".
ما هي توقعات السوق المسعرة حالياً
أسواق الأسهم هي لعبة توقعات بامتياز، والأسعار الحالية في السوق تترجم وتخصم وتستبق كل الأخبار المتاحة. بناءً عليه، فإن خبر إعلان شركات البتروكيماويات عن خسائر حادة ليس خبراً جديداً أو مفاجئاً للمتداولين؛ فالسوق يعرف ذلك جيداً وقد خصمه بالفعل في أسعار الأسهم التي انخفضت بشدة مسبقاً.
السؤال الجوهري للمستثمر الذكي هو: هل السعر الحالي في السوق يسعر مستقبلاً أسوأ مما سيحدث في الواقع أم لا؟ فقد يكون السهم رخيصاً ظاهرياً، ولكنه يسعر تعافياً سريعاً جداً (وهنا يكمن الخطر إذا تأخر التعافي)، أو قد يكون السهم مسعراً بناءً على سيناريو شديد التشاؤم يفترض تدهوراً دائماً ولا تعافي إلى الأبد، وهنا تحديداً تتولد الفرص الاستثمارية الكبرى.
الإشكالية الكبرى: دورة هابطة مؤقتة أم تدهور هيكلي دائم؟
كثير من المحللين لا يختلفون أن أسهم قطاع البتروكيماويات انخفضت بشدة وتبدو رخيصة ظاهرياً. ولكن المعضلة التي تواجه المحلل في القطاعات الدورية هي: هل الانخفاض الحاصل في الربحية ناتج عن فائض معروض مؤقت، وبالتالي سوف ترجع الهوامش والربحية كما في السابق أو ما يعرف بنظرية العودة للمتوسط، وبالتالي تكون فرصة شراء؟ أو أن التدهور الحاصل هو تغير هيكلي، مما يعني أن الأصول المسجلة في القوائم وتكلفة إحلالها لم تعد قادرة على تحقيق عوائد جيدة بسبب تغير هيكلي، أو تكلفة لقيم عالية، أو تراجع الطلب، أو فائض معروض دائم ينتج عنه عدم قدرة الشركات على تحقيق نفس مستوى الأرباح السابقة.
عند محاولة الإجابة على هل إن التدهور هيكلي أم لا، يجب على المحلل الإجابة عن الأسئلة التالية:
١. أين تقع الشركة على منحنى التكلفة مقارنة بالمنافسين العالميين؟
٢. هل تمتلك الشركة ميزة في اللقيم الرخيص أو الطاقة مقارنة بالمنافسين العالميين؟
٣. ما هي قدرة الشركة على الربحية الطبيعية لدورة صناعة كاملة؟
٤. كم تكلفة اعادة بناء هذه المصانع بأسعار اليوم؟
٥. هل تتداول الشركة بخصم كبير عن تكلفة الإحلال؟
٦. هل بدأت فوائض العرض بالتحسن بخروج لاعبين ذوي تكلفة عالية أو إغلاق طاقات إنتاجية؟
٧. هل مستوى المديونية عالي جدا بحيث إن الشركة لن تستطيع الاستمرار إذا طالت الدورة الهابطة على فرض أنها لم تكن تغيراً هيكلياً؟
٨. ما هي التوقعات التي يعكسها سعر السهم اليوم.؟
الخلاصة
الهدف من هذه المقالة ليس توصية شراء، بل تمت مناقشة مثال ينساب كحالة دراسية لتوصيل الفكرة بمثال من واقع السوق. أيضاً ليس الهدف التنبؤ وتوقيت قاع الدورة الحالية. الهدف هو فهم كيف يمكن أن تتكون الفرص الاستثمارية عندما تبدو أساسيات الشركة من ناحية الأرباح والهوامش سيئة. وأيضاً فهم الفرق بين فرصة حقيقية بسبب دورية مؤقتة أم فخ قيمة بسبب تدهور هيكلي في الصناعة.
الدرس المستفاد هو أن الخسائر الحالية لا تخبرنا لوحدها عن قيمة الشركات الجوهرية، والفرص الحقيقية في القطاعات الدورية تكمن فقط عندما يخلط السوق في التمييز بين دورة هابطة مؤقتة وتدهور دائم. والإجابة عن هذا السؤال هي ما يحدد ما إذا كان الاستثمار في البتروكيماويات اليوم فرصة استثمارية ذهبية أم مصيدة قيمة.


