الميزانية السعودية.. تراجع هامشي في الإيرادات رغم ظروف الحرب

10/05/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

عندما تتداخل التوترات الجيوسياسية مع تحديات النمو العالمي وارتفاع تكاليف التمويل، تبدو قراءة الميزانيات العامة للدول أكثر عمقًا من مجرد مقارنة بين الإيرادات والمصروفات، فالأرقام لم تعد تُقرأ بمعزل عن الاستراتيجية، والعجز لم يعد مؤشرًا سلبيًا بحد ذاته، بل أصبح جزءًا من أدوات إدارة النمو والتحول الاقتصادي طويل المدى.

نتائج الميزانية السعودية للربع الأول من عام 2026 تعكس هذه الحقيقة بوضوح، فرغم تسجيل الإيرادات انخفاضًا طفيفًا بنسبة 1% لتبلغ نحو 261 مليار ريال مقارنة بـ264 مليار ريال في الفترة المماثلة من العام السابق، إلا أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة واضحة على المحافظة على توازناته المالية والاستمرار في تنفيذ برامجه التنموية بوتيرة مرتفعة.

اللافت في النتائج أن الانخفاض في الإيرادات جاء أقل من تراجع الإيرادات النفطية، وهو ما يعكس بوضوح تنامي دور الاقتصاد غير النفطي، فقد تراجعت الإيرادات النفطية بنسبة 3% إلى نحو 145 مليار ريال، في حين ارتفعت الإيرادات غير النفطية بنسبة 2% لتصل إلى 116 مليار ريال، وهو تطور مهم يؤكد أن برامج التنويع الاقتصادي بدأت تتحول تدريجيًا من خطط ومبادرات إلى نتائج فعلية تنعكس على المالية العامة.

هذه النقطة تحديدًا تمثل أحد أهم التحولات الاقتصادية في المملكة خلال السنوات الأخيرة، فكلما ارتفعت مساهمة الإيرادات غير النفطية، أصبحت المالية العامة أكثر قدرة على امتصاص تقلبات أسواق النفط والتعامل مع المتغيرات العالمية بكفاءة أعلى، وهذا ما تسعى إليه رؤية السعودية 2030 منذ انطلاقها، عبر بناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على مصدر دخل واحد. في المقابل، ارتفعت النفقات الحكومية بنسبة 20% لتصل إلى نحو 387 مليار ريال، وهو ما أدى إلى تسجيل عجز يقارب 126 مليار ريال خلال الربع الأول، لكن قراءة هذا الرقم بمعزل عن طبيعة الإنفاق ستكون قراءة ناقصة، فالجزء الأكبر من هذا التوسع المالي يرتبط بتنفيذ مشاريع استراتيجية وبنية تحتية وبرامج تنموية تستهدف رفع الطاقة الاقتصادية للمملكة على المدى الطويل.

الإنفاق المرتفع لم يكن إنفاقًا استهلاكيًا عابرًا، بل جاء موجهًا نحو قطاعات ذات أثر اقتصادي واجتماعي مباشر، فقد ارتفع الإنفاق على الصحة والتنمية الاجتماعية بنسبة 12% ليصل إلى نحو 81 مليار ريال، في تأكيد واضح لاستمرار الاستثمار في جودة الحياة والخدمات الأساسية للمواطن، كما ارتفع الإنفاق على المنافع الاجتماعية إلى أكثر من 31 مليار ريال، ما يعكس استمرار أولوية الدعم الاجتماعي ضمن السياسات الحكومية.

ومن المهم إدراك أن الاقتصادات الكبرى لا تتوقف عن الإنفاق في أوقات التحول، بل على العكس، تزيد استثماراتها الاستراتيجية لتعزيز تنافسيتها المستقبلية، وهذا ما تفعله المملكة اليوم عبر التخطيط المالي طويل المدى، مع المحافظة في الوقت ذاته على مستويات آمنة من الاحتياطيات الحكومية التي بلغت نحو 401 مليار ريال.

كذلك تعكس المؤشرات الاقتصادية المصاحبة للميزانية صورة أكثر اتساعًا عن أداء الاقتصاد السعودي، فقد حقق الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا بلغ 4.5% خلال عام 2025، مع توقعات بنمو يصل إلى 4.6% بنهاية 2026، وهي معدلات قوية مقارنة بالعديد من الاقتصادات العالمية.

كما سجل التضخم نحو 1.8% فقط، وهو مستوى يُعد معتدلًا جدًا عالميًا، ويعكس نجاح السياسات النقدية والاقتصادية في المحافظة على الاستقرار السعري رغم التحديات العالمية، وفي الوقت ذاته، ارتفعت الصادرات غير النفطية بنسبة 17.5%، واستمر نمو القطاع الصناعي والقطاع الخاص غير النفطي، وهو ما تؤكده قراءة مؤشر مديري المشتريات فوق مستوى 50 نقطة.

وفي جانب التمويل والدين العام، تؤكد البيانات أن المملكة تتحرك وفق نهج مالي محسوب، حيث تم تأمين أكثر من 90% من احتياجات خطة الاقتراض السنوية قبل التطورات الجيوسياسية الأخيرة، ما يعكس كفاءة التخطيط الاستباقي وقوة المركز المالي والتصنيف الائتماني المرتفع للمملكة.

الأهم من ذلك أن الدين العام يُستخدم ضمن إطار استثماري وتنموي، وليس لسد اختلالات هيكلية قصيرة الأجل، وهو فارق جوهري بين الاقتصادات القوية والاقتصادات التي تواجه أزمات مالية، فحين تكون تكلفة التمويل أقل من العوائد الاقتصادية المتوقعة للمشاريع، يصبح التمويل أداة لتعظيم النمو لا عبئًا على الاقتصاد.

المملكة لا تدير اقتصادها بمنطق ردود الفعل المؤقتة، بل وفق رؤية طويلة المدى تستهدف بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة وقدرة على مواجهة المتغيرات العالمية، ورغم التحديات الإقليمية والدولية، لا تزال المؤشرات الاقتصادية والمالية تؤكد أن السعودية تمضي بثبات نحو إعادة تشكيل اقتصادها على أسس أكثر قوة ومرونة واستدامة.

 

نقلا عن الرياض