مشاركة المرأة في الاقتصاد: مسارات جديدة وتحديات مستمرة

04/05/2026 0
د. العنود دحيم العتيبي

مع تسارع التحوّل نحو الاقتصاد الرقمي في العالم، تبدو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا  (MENA)أمام مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل خريطة العمل، وتفتح آفاقاً مختلفة لمشاركة المرأة الاقتصادية. فبينما ظلّت مشاركة النساء في المنطقة أقل بكثير من إمكاناتهن التعليمية، بدأت ملامح فرص جديدة تظهر مع انتشار العمل عن بُعد، وتوسّع الخدمات الرقمية، وارتفاع الطلب على المهارات القائمة على المعرفة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع هذه الفرص فعلاً تغيير واقع مشاركة المرأة، أم ستظل العوائق القديمة حاضرة بطرق جديدة؟

تُظهر البيانات التاريخية فجوة واضحة بين تطور تعليم النساء، وبين مشاركتهن الاقتصادية، وهي المفارقة التي تُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ MENA Paradox  فالمرأة في المنطقة أكثر تعليمًا اليوم من أي وقت مضى، لكن هذا التقدم لم يُترجم إلى حضور متناسب في سوق العمل. ويعكس الشكل البياني أدناه، استنادًا إلى بيانات مؤشرات التنمية العالمية (WDI) للبنك الدولي، الفجوة بين التطور التعليمي والاقتصادي في دول المنطقة عبر العقود.

تطوّر مؤشرات التعليم والنوع الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – 1990 و2024

المصدر: الكاتبة بناءً على بيانات WDI – البنك الدولي

هذا التباين الذي يظهر في الشكلين لا يمكن تفسيره بأسباب اقتصادية خالصة، بل يرتبط بمنظومة من الأعباء غير المرئية التي تؤثر في قرارات العمل لدى النساء. مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة، وتوزيع الأدوار داخل الأسرة، وتوقعات المجتمع تجاه عمل المرأة كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في نوع العمل الذي يمكن للمرأة الالتحاق به وفي توقيت دخولها وخيارات استمرارها. 

ولتفسير هذا التفاوت، لا بد من النظر إلى البنية الاجتماعية نفسها. فالأدبيات الدولية تشير إلى أن العوامل "الاجتماعية" كثيرًا ما تتحول إلى محددات اقتصادية. ويؤكد تحليل Diwan & Vartanova (2017) هذه الفكرة، إذ يكشف عن علاقة عكسية واضحة بين قوة القيم الأبوية ومستويات مشاركة المرأة في القوى العاملة. فكلما كانت البنية الاجتماعية أكثر تمسكًا بالنظرة التقليدية لأدوار النساء، تراجعت مشاركتهن بغض النظر عن مستوى التعليم أو فرص التدريب. ويظهر هذا التحليل أن موقع دول المنطقة ضمن هذا النمط العالمي، حيث تتركز أغلبها في أسفل اليمين الذي يجمع بين ارتفاع القيم الأبوية وانخفاض المشاركة الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن السنوات الأخيرة حملت معها تحولات جديدة تستحق التأمل. فالتوسع في العمل عن بُعد، وارتفاع الطلب على المهارات الرقمية، وانتشار الوظائف القائمة على المعرفة، فتح مساحات لم تكن متاحة سابقًا للنساء خصوصًا في البيئات التي كانت فرص العمل فيها مرهونة بالتنقل أو الالتزام بساعات طويلة خارج المنزل. وهنا يظهر أحد أهم وجوه التحول الرقمي: قدرته على إعادة تعريف “مكان العمل”، وتخفيف القيود التي طالما حدّت من مشاركة المرأة.

لكن الفرص الرقمية ليست تلقائية؛ فهي تتطلب مهارات متقدمة لا تزال الفجوة النوعية حولها قائمة. ويحتاج نجاح هذه التحولات إلى بيئة داعمة من بنية تحتية موثوقة، إلى دعم أسري متوازن، إلى سياسات حكومية تتيح التوازن بين العمل والحياة. فالرقمنة قد تفتح الباب، لكن عبور هذا الباب يعتمد على قدرة المرأة على اكتساب المهارات اللازمة، وعلى قدرة المجتمع على توفير بيئة تشجعها على الاستمرار.

وقد شهدت عدة دول في المنطقة ومن ضمنها المملكة العربية السعودية كمثال تحركات ملموسة في هذا الاتجاه، سواء عبر تحسين بيئات العمل، أو تطوير برامج التدريب الرقمي، أو تقديم حوافز لتوظيف النساء في القطاعات الحديثة. مثل هذه المبادرات تعكس توجهًا إقليميًا أوسع يأخذ في الاعتبار أن الاقتصادات الحديثة أكثر اعتمادًا على المعرفة والابتكار، وهما مجالان يتسع فيهما حضور المرأة متى ما توفرت الأدوات المناسبة.

ومع ذلك، يبقى الطريق طويلاً. فالتحديات الثقافية لا تختفي بسهولة، والتحولات الاقتصادية تحتاج إلى وقت لترسّخ نتائجها. لكن اللحظة الحالية تحمل فرصة حقيقية لا ينبغي تفويتها حيث إنها فرصة لربط التعليم باقتصاد المعرفة، وربط المهارات الرقمية بفرص العمل، وربط تمكين المرأة بقدرة هذه المنطقة على النمو في اقتصاد عالمي شديد التنافسية.

باختصار، إن مستقبل مشاركة المرأة في اقتصاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتشكل عند تقاطع ثلاث قوى رئيسية: المعرفة، والتكنولوجيا، والقيم الاجتماعية. ولذا، فكلما استطاعت الدول التعامل مع هذه العناصر بصورة متكاملة وبرؤية تعليمية واضحة، مع سياسات عمل مرنة وتحول ثقافي تدريجي ازدادت قدرتها على بناء مستقبل اقتصادي أكثر عدلاً وقدرة وشمولاً.

 

المقالة منشورة في العدد الأخير من "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية.