لا جديد إذا ذكر بأن سوق الطروحات الأولية للشركات ومن ثم إدراجها وجد ليكون أحد أهم قنوات التمويل للشركات أي أن الهدف هو دعمها لتتمكن من تعزيز قوتها بقطاعها مما ينعكس إيجابا بالمحصلة على الاقتصاد الوطني ويمثل أيضا فرصة لتوظيف مدخرات الناس لتنميتها وتنويع مصادر دخلهم مما يسهم بالتوظيف الأمثل للأموال الموجودة في النظام المالي بحيث يدعم توسع الطاقة الإنتاجية وكذلك توليد الوظائف بالاقتصاد ويرفع من تأثير القطاع الخاص بالناتج المحلي كما أن التنوع في سوق المال بالقطاعات والشركات الجيدة يجذب استثمارات أجنبية وهو ما يلعب دورا مهما أيضا بتنوع مصادر تدفق السيولة للاقتصاد.
لكن يلاحظ أن أغلب الاكتتابات ومنذ أعوام تتجه للتخارج خصوصا الشركات العائلية مع وضع تقييمات يتضح أنها مبالغ فيها بعد الإدراج وبفترة قد لا تتعدى إعلانات أول فصل أو فصلين، حيث تظهر نتائج غالبيتها سلبية في معدلات النمو مع تراجع بالإيرادات وعند النظر للمكرر المستقبلي الذي أدرجت عليه حقيقة فإنه كان مرتفعا جدا، بينما ما تم التقييم عليه هو عن نتائج سابقة مع مقارنة بمكرر القطاع والسوق وهي قياسات تقليدية ولكنها غير صحيحة خصوصا عندما يظهر التراجع الحاد بأداء الشركة بعد تداولها وقد حصل ذلك مع عدة شركات أعلنت عن تراجع حاد بإيراداتها وصافي ربحها في أول إعلان لها بعد إدراجها ليتضح أنها حددت عند سعر يعكس مكررا مستقبليا ضعف ما تم التقييم عليه.
وهنا لا بد من إعادة النظر بمبدأ التخارج للشركات المتوسطة والصغيرة والعائلية تحديدا بحيث يتم إيقافه تماما وإعطاء المجال للإدراج برفع رأس المال بالسوق لأن أغلب هذه الشركات تعرضت لخسائر كبيرة وقامت بعد إدراجها وخلال أعوام قليلة بإعادة هيكلة رأس مالها لإطفاء خسائرها عدة مرات مما يعني أنها تحولت لمحرقة أموال المساهمين بينما ملاكها المؤسسون حصلوا على قيمتها كاملة من خلال إدراج 30 في المائة منها ولم يكتف البعض بذلك، بل حولها لدجاجة تبيض ذهبا من خلال كم ضخم من عقود مع أطراف ذات علاقة بمجلس إدارتها وكبار ملاكها بينما ترزح الشركة المدرجة تحت الخسائر فقد وصل بعضها لمسح كامل رأس المال أو قريب منه ثم أطلقوا إستراتيجيات جديدة لإعادة هيكلتها لإبقائها بالسوق فما يتحصلون عليه من عقود لشركاتهم الخاصة معها يصنع لهم ثروات كبيرة ولذلك أصبح بعض هذه الشركات جدوى بقائها مدرجة معدوم.
سوق المال لا يفترض أن تنظر له أي شركة أو مصنع ثروة من خلال التخارج بل يمكن أن يتحقق لهم أضعاف ما يبحثون عنه من خلال بيع حصص عند الاكتتاب إذا كان هدفهم التوسع بأعمالهم وتمويل توسعات الشركة من السوق فكون أن الأنظمة أتاحت لهم قنوات عدة للتمويل ومنها سوق المال فإن الاتجاه لذلك بالمقام الأول كان لتحقيق منافع عدة للاقتصاد وللشركات إلا أن البعض أصبح ينظر للسوق من خلال فكرة ضيقة جدا وهي الحصول على أموال كبيرة بالاكتتاب مع تقييم مرتفع وبعدها لا يعنيه كثيرا ما سيحصل للشركة من تدهور فهو يسوق خطوته أنها مكافأة له على تأسيس هذه الشركة وهذا غير منطقي لأنه يوجد مئات الآلاف من الشركات الناجحة جدا والتي نتمنى إدراجها لكن ملاكها ينظرون للمستقبل بأن تكون شركاتهم عملاقة بحجمها ودورها الاقتصادي وثرواتهم محفوظة فيها وتنمو بالتوسعات وزيادة الإيرادات وليس بالبحث عن الثراء السريع ومن بعدها تظهر لنا نماذج الشركات الفاشلة والمليء بعضها بالمخالفات التي يعلن عنها.
نأمل من هيئة السوق المالية أن تؤسس سوقا ثالثا للشركات الخاسرة بحيث تنقل له أي شركة استمرت بالخسائر لمدة معينة مثلا 5 أعوام متتالية ووصلت نسبة الخسارة من رأس المال لأكثر من 50 في المائة لا أن يكتفى بوضع إشارة بجانبها مع تغيير بقواعد تداولها مع إعادتها للسوق الأول بعد أن تعود للربحية لعامين متتالين على الأقل وتهيكل رأس مالها ليكون أكثر قوة فالدخول للسوق مسؤولية على ملاك الشركات وليس مكافأة لهم وهذا ما تؤكد عليه أنظمة هيئة السوق المالية التي تقدم الدعم لتمكين الشركات من قناة تمويلية رئيسة بهدف استدامة التنمية الاقتصادية وتعزيز قوة الشركات اقتصاديا ولذلك يجب أن يبدأ كل مالك شركة ينوي إدراجها بتغيير نظرته لمستقبل شركته ويفكر كيف سيكون حالها مستقبلا لا أن يأتي للسوق ليبيع حصة بمبلغ كبير ثم تصل شركته لوضع مأساوي وتصبح عالة على المساهمين والسوق.
نقلا عن الجزيرة

