منظومة النقل والأمن الوطني

07/04/2026 0
فضل بن سعد البوعينين

تمثل منظومة النقل عصب الإمداد والخدمات اللوجستية، وشريان الحياة، والتنمية الاقتصادية والسكانية. نجحت كوريا الجنوبية في تنفيذ خطط التحول التنموي والاقتصادي بعد أن نفذت منظومة نقل متكاملة، عمادها الطرق السريعة والسكك الحديدية، ربطت من خلالها المدن والمحافظات والموانئ والمطارات، ما أسهم في تعزيز الصناعات المحلية، وربط مواقع الإنتاج، لتسهيل إيصال مدخلاتها، وسلاسل التوريد بالمصانع، من جهة، وربطها في الأسواق المحلية ومنافذ التصدير، من جهة أخرى، إضافة إلى تسهيل حركة العمالة والموظفين بين مساكنهم ومواقع العمل والإنتاج، وحركة المسافرين.

وفي ألمانيا شكلت منظومة النقل قاعدة التحركات العسكرية في الحرب العالمية الثانية، وهو أمر بني على تخطيط عسكري يقوم على حشد القوات بسرعة عبر السكك الحديدية على طول الحدود الشرقية والغربية، ما سهل حركتها، وأسهم في إيصال الإمدادات بسرعة متناهية. كما شكلت لاحقا السكك الحديدية عماد التنمية الاقتصادية والسكانية في الدول الأوروبية، ومحور الربط بينها. ولم يقتصر ذلك على الدول المتجاورة على اليابسة، بل تم ربط بريطانيا بفرنسا من خلال النفق البحري والسكك الحديدية.

وخلال حرب تحرير الكويت، ظهرت أهمية منظومة النقل للدعم اللوجستي. وتسهيلا لحركة القوات العسكرية والإمدادات من ميناء الجبيل التجاري والمواقع الأخرى إلى الحدود الشمالية من المنطقة الشرقية، تم تنفيذ مشروع ربط طريق رقم 1 في الجبيل الصناعية مع طريق بوحدرية، وتنفيذ طريق القاعدة السفانية رقم 6379، الرابط بين طريقي الدمام الخفجي رقم 95، والنعيرية حفر الباطن رقم 85، من أجل تسهيل حركة القوات واختصار زمن الحشد والإمداد العسكري.

وفي أزمة مضيق هرمز، والتصعيد العسكري في المنطقة، ظهرت الحاجة الماسة لمنظومة النقل، البحري، البري، السككي، والجوي، التي أثبتت كفاءة عالية وقدرة على ضمان استدامة سلاسل التوريد ليس للمملكة فحسب، وبل وللدول الشقيقة التي بات تعتمد على المملكة في سلاسل التوريد وتشغيل أساطيلها الجوية.

باتت أهمية منظومة النقل للأمن الوطني، أكثر وضوحا مع التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وتهديد خطوط الملاحة البحرية ومضيق هرمز، ما يتطلب العمل على تعزيزها، وسرعة تنفيذ مشروع الجسر البري الذي يربط الرياض بجدة لتسهيل نقل الركاب والبضائع. وربط الميناء الجاف في الرياض بميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله، وبالتالي استكمال الجسر البري الرابط بين الشرق والغرب.

تحقيق متطلبات الأمن الوطني، ليس حكرا على الجوانب الأمنية فحسب، بل يشمل أيضا الأمن الاقتصادي، المجتمعي، المائي والغذائي، والأمن الصحي وغيره من مكونات الأمن الوطني بمفهومه الشامل، وجميع ما سبق مرتبط بشكل وثيق بمنظومة النقل، التي تعد قاعدة التنمية والداعمة للأمن الوطني.

من المفترض أن تكون تجارب المملكة مع أزمات المنطقة السابقة، محفزا لاستكمال منظومة النقل، وإعطائها الأولوية، خاصة الربط البري بالسكك الحديدية، والطرق السريعة التي برزت الحاجة لها مع أزمات المنطقة، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي. فعلى سبيل المثال، بعد تهديد خطوط الملاحة في البحر الأحمر تم تحويل سفن الشحن من ميناء جدة إلى ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام، ومن ثم شحن البضائع والسلع عن طريق البر إلى الرياض وجدة. تحويل حركة الصادرات والواردات إلى ميناء الدمام تسبب في الضغط على طريق الدمام - الرياض بسبب عدد الشاحنات المهول، الذي يفوق قدرة الطريق على استيعابه، كما أنه بات مهددا لأمن وسلامة المركبات والمسافرين. ومع الأزمة الحالية بات ميناء جدة هو المتلقي للواردات السعودية والخليجية، وفي الحالتين، تبرز حاجة الربط السككي بين الشرق والغرب من خلال ربط ميناء جدة بسكة حديد الرياض الدمام، وربط محافظة ينبع بسكة قطار الحرمين ومد سكة قطار التعدين لتصل إلى منفذ جديدة عرعر، والحدود الشمالية.

وفي جانب الطرق البرية، فمن المهم تنفيذ طريق الجبيل القصيم محور ينبع، لأهميته الإستراتيجية كبديل سالك وسريع لطريق الظهران الرياض، وأهميته في تحقيق الأمن الوطني بمفهومه الشامل. وأهميته لنقل البضائع والسلع من ميناء رأس الخير إلى منطقة القصيم ومحافظة ينبع ثم إلى جميع محافظات المدينة ومنطقة مكة المكرمة. الأكيد أن منظومة النقل السعودية تشكل قصة نجاح كبرى، غير أن قصة النجاح تحتاج دائما إلى قصص نجاح تضمن استدامتها، ومعززة لمكانتها، وهذا ما تتطلبه المرحلة القادمة. المبادرة بتنفيذ مشروع قطار جدة - الرياض، وتنفيذ الطرق الإستراتيجية ومن أهمها طريق الجبيل القصيم محور ينبع، من الأولويات التنموية الإستراتيجية التي تحتاجها منظومة النقل السعودية.

 

نقلا عن الجزيرة