"في الحروب تسقط الأسواق".. هذه قاعدة شبه ثابتة في عالم المال، لكن ما حدث خلال الشهر الماضي كسر هذه القاعدة، بينما كانت مؤشرات العالم تتراجع تحت ضغط الخوف وصدمة الطاقة، كان السوق السعودي يسير في الاتجاه المعاكس، محققًا مكاسب في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا.
لم يكن هذا التباين صدفة أو مجرد حركة عابرة، بل نتيجة معادلة معقدة أعادت رسم خريطة الرابحين والخاسرين في الأسواق العالمية، ففي الوقت الذي كانت فيه الحرب تمثل عبئًا اقتصاديًا ثقيلًا على معظم الدول، تحولت في السوق السعودي إلى عامل دعم غير مباشر، قلب اتجاه السوق بدلًا من أن يضغط عليه، فلماذا سقطت الأسواق العالمية والخليجية بينما صعد "تاسي"؟

تكشف الأرقام هنا مفارقة واضحة؛ قبل اندلاع الحرب أنهى مؤشر تاسي جلسة 27 فبراير عند مستوى 10,709 نقطة، ليتراجع سريعًا إلى 10,475 نقطة في أولى جلسات الصدمة، قبل أن يعكس اتجاهه تدريجيًا ويغلق عند 11,249 نقطة بنهاية مارس، محققًا مكاسب تقارب 5% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
في المقابل، هبطت أسواق مثل دبي بنحو 16%، وأبوظبي بنسبة 9%، والدوحة بحوالي 8%، والبحرين بنسبة 8%، بينما كان مسقط هو السوق الخليجي الوحيد الذي ارتفع بجانب السعودية بنسبة تقارب 10%.
وعلى الصعيد العالمي، امتد التراجع من وول ستريت إلى أوروبا وآسيا، حيث هبط مؤشر "S&P 500" بنحو 5%، وداو جونز الصناعي بنسبة 5%، وداكس الألماني بنسبة 10%، وفوتسي البريطاني بنسبة 7%، ونيكاي 225 بنحو 6%، إذا لماذا صعد "تاسي" بينما تعثرت بقية الأسواق؟
لم تكن الحرب مجرد توتر جيوسياسي عابر، بل تحولت سريعًا إلى صدمة طاقة عالمية، مع إغلاق فعلي لمضيق هرمز وتعطل سلاسل الإمداد، ما دفع أسعار خام برنت إلى القفز من نحو 70 دولارًا إلى ما يتجاوز 115 دولارًا خلال أسابيع قليلة. أعادت هذه القفزة تشكيل توقعات الاقتصاد العالمي بالكامل، حيث انتقلت الأسواق من بيئة نمو مستقر إلى بيئة تضخمية مضطربة، ترتفع فيها تكاليف الإنتاج والنقل، وتتزايد احتمالات التشديد النقدي، ويتراجع النمو المتوقع.
في هذا السياق، كانت استجابة الأسواق العالمية منطقية إلى حد كبير، فهذه الأسواق تمثل اقتصادات مستوردة للطاقة أو شركات تعتمد على سلاسل إمداد تمر عبر مناطق التوتر، وبالتالي فإن ارتفاع النفط انعكس مباشرة في ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن والطاقة، ما ضغط على هوامش الأرباح، ورفع معدلات التضخم، وأعاد مخاوف أسعار الفائدة إلى الواجهة.
وقد بدا ذلك واضحًا في أوروبا واليابان؛ حيث خسر داكس الألماني نحو 10% في ظل ضعف النمو الصناعي، بينما تراجع نيكاي بنحو 6% مع تأثر اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة وسلاسل إمداد معقدة، وهكذا تحولت صدمة الطاقة إلى ضغط مباشر على التقييمات والنمو في الأسواق العالمية.

لكن حملت الصدمة وجهًا مختلفًا تمامًا في السعودية، فخلال نفس الفترة، سجل النفط مسارًا صعوديًا شبه متصل: من 70.75 دولارًا إلى 77.74، ثم 98.96، وصولًا إلى أكثر من 112 دولارًا قبل أن يستقر قرب 104 دولارات بنهاية مارس، بارتفاع يتجاوز 47% خلال أقل من خمسة أسابيع، لم يكن هذا الارتفاع مجرد رقم، بل كان إعادة ضخ مباشرة للسيولة في شرايين الاقتصاد السعودي.
كل زيادة في سعر البرميل تعني إيرادات أعلى لـ أرامكو، ومن ثم دعمًا أقوى للموازنة العامة، وتعزيزًا لثقة المستثمرين في استمرار الإنفاق الحكومي والنمو الاقتصادي. الأهم أن السعودية لم تكن مجرد مستفيد نظري من الأسعار المرتفعة، بل تمتلك القدرة اللوجستية على الالتفاف حول تعطل مضيق هرمز عبر خط شرق-غرب، ما خفف من المخاطر التشغيلية مقارنة بدول أخرى.
لكن تفسير المشهد لا يكتمل دون النظر إلى نقطة البداية، فالسوق السعودي دخل هذه الأزمة وهو في حالة ضعف نسبي، بعد تراجع يقارب 13% خلال عام 2025 وانخفاض حاد في السيولة، ما خلق تقييمات أكثر جاذبية مقارنة بالأسواق العالمية التي كانت تتحرك قرب قممها، هذا الوضع جعل "تاسي" مهيأً لإعادة التقييم، وكان ينقصه فقط محفز قوي، وقد جاء هذا المحفز عبر النفط.
وعند التعمق داخل السوق تتضح الصورة أكثر، فقد جاء الصعود مدفوعًا بقطاعات قيادية واضحة، في مقدمتها القطاع المصرفي، الذي يمثل أكثر من ثلث وزن المؤشر، حيث استفاد هذا القطاع بشكل مباشر من ارتفاع النفط، الذي يعني زيادة الودائع الحكومية وتوسع الائتمان المرتبط بمشاريع رؤية 2030، إلى جانب بيئة فائدة داعمة للربحية، وقد انعكس ذلك على أداء الأسهم القيادية، حيث صعد الراجحي بشكل ملحوظ، إلى جانب تحسن أداء باقي البنوك، ما جعله أحد المحركات الرئيسية للمؤشر.
في الوقت نفسه، شهدت قطاعات الطاقة والبتروكيماويات إعادة تسعير قوية بعد ضعف سابق، مدفوعة بارتفاع النفط، كما سجل قطاع المرافق أداءً إيجابيًا، أما سهم أرامكو، فرغم ارتفاعه بنحو 6.6% فقط، فإنه يعكس توازنًا دقيقًا في تسعير السوق بين مكاسب الأسعار ومخاطر التصعيد الجيوسياسي.
في المقابل، لم تكن بقية الأسواق الخليجية تمتلك نفس التركيبة الاقتصادية، فأسواق مثل دبي وأبوظبي تعتمد بشكل أكبر على قطاعات العقار والسياحة والخدمات، وهي قطاعات تتأثر سريعًا بالتوترات الجيوسياسية، ما يفسر اختلاف استجابة هذه الأسواق رغم انتمائها لنفس المنطقة.
وسط هذا المشهد، برز عامل أقل وضوحًا لكنه مؤثر: حركة التدفقات.
فمع خروج الأموال من الأسواق الأكثر عرضة للمخاطر، لم تتجه بالكامل إلى الملاذات التقليدية، بل وجد جزء منها طريقه إلى السوق السعودي، الذي بدأ يُنظر إليه كأداة تحوط طبيعية ضد ارتفاع النفط. وقد انعكس ذلك في ارتفاع السيولة وتحسن قيم التداول خلال جلسات مارس.
في النهاية، لم يكن صعود “تاسي” حدثًا عشوائيًا أو استثناءً بلا تفسير، بل نتيجة تفاعل منطقي بين عدة عوامل تلاقت في نفس اللحظة: صدمة طاقة عالمية، تقييمات منخفضة نسبيًا، قوة في القطاعات القيادية، وسيولة قادرة على دعم الاتجاه.
السوق مر بمرحلتين واضحتين: صدمة أولية قادتها حالة الذعر، تلتها مرحلة استيعاب أعادت فيها الأساسيات توجيه المسار نحو الصعود. ومن هنا، يمكن القول إن “تاسي” لم يرتفع رغم الحرب، بل ارتفع بسبب طبيعة هذه الحرب نفسها.
هذه المفارقة تقدم درسًا مهمًا في قراءة الأسواق: الأزمات لا توزّع خسائرها بالتساوي، بل تعيد رسم خريطة الرابحين والخاسرين وفقًا لطبيعة كل اقتصاد وهيكل سوقه. وفي هذه الحالة، كانت الصدمة العالمية سلبية في مجملها، لكنها حملت في داخلها فرصة واضحة لسوق يمتلك مفاتيح الاستفادة منها.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يستمر هذا التفوق؟ الإجابة ستظل مرهونة بمسار النفط والسيولة، لكن المؤكد أن ما حدث خلال هذا الشهر سيبقى نموذجًا نادرًا لكيف يمكن لنفس الحدث أن يكون أزمة في مكان.. وفرصة في مكان آخر.
خاص_الفابيتا
واضح بأنك غير متابع أساساً للأسواق المالية جميع أسواق العالم منذ خمس سنوات تسجل قمم تاريخيّة .. الأمريكي من قاع ١٧٨٠٠ وصل ٥٠٠٠٠ نقطة والياباني من ١٦٠٠٠ تجاوز ٥٥٠٠٠ نقطة و الهندي من ٢٨٠٠٠ تجاوز ٨٥٠٠٠ نقطة والسوق المصري تجاوز ٥٠٠٠٠ نقطة والأقرب لنا الأردني ارتفع عام ٢٠٢٥ بأكثر من ٤٥٪ وكذلك الأسواق الخليجية جميعها ارتفعت عدا ( تاسي ) الذي سجل الأسوأ عالميا خلال الأربع سنوات الماضية .. وأمر طبيعي أن يصل لقاع ويرتد وليس انجاز يحسب لتاسي السوق الهابط منذ عشرين سنة لليوم لم يحقق ٥٠٪ من قمته التاريخية ٢٠٩٤٥ نقطة منذ الانهيار. التاريخي