دخل قطاع البتروكيماويات العالمي عام 2026 في واحدة من أصعب دوراته منذ أكثر من عقد، بعد عام شهد فائضًا في المعروض وتباطؤًا في الطلب الصناعي أدى إلى تراجع الأسعار وتآكل هوامش الربح خلال 2025.
لكن التطورات الجيوسياسية الأخيرة في الشرق الأوسط، وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، قلبت المعادلة في وقت قياسي، فخلال أسابيع قليلة فقط، تحولت السوق من فائض معروض مزمن إلى نقص نسبي في الإمدادات، ما دفع أسعار عدد كبير من المنتجات البتروكيماوية إلى الارتفاع، وأعاد التفاؤل إلى المستثمرين في القطاع.
وبينما كان المنتجون العالميون يستعدون لعام صعب، تشير التطورات الأخيرة إلى أن عام 2026 قد يتحول إلى نقطة انعطاف في دورة القطاع.
عام 2025.. الاختلال الهيكلي في السوق
لم تكن الأزمة التي واجهها القطاع في 2025 مجرد تقلب دوري، بل كانت تعبيراً عن اختلال هيكلي بين العرض والطلب، فخلال العقد الماضي، ضخت الصين استثمارات ضخمة في مجمعات البتروكيماويات المتكاملة، ما أدى إلى توسع كبير في الطاقة الإنتاجية العالمية، خصوصاً في منتجات الإيثيلين والبولي إيثيلين والبروبيلين.
ومع تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وتراجع الطلب الصناعي، وجد السوق نفسه أمام فائض إنتاجي واسع، انعكس ذلك مباشرة على نتائج الشركات، فقد سجلت العديد من شركات البتروكيماويات خسائر أو تراجعاً حاداً في الأرباح نتيجة انخفاض أسعار المنتجات مقابل ارتفاع تكاليف اللقيم والطاقة.
فائض المعروض يضغط على السوق
قبل اندلاع الحرب، كانت معظم أسعار المنتجات البتروكيماوية تتحرك في اتجاه ضعيف نتيجة وفرة المعروض، حيث تراجعت أسعار العديد من المنتجات مقارنة بالعام السابق، من بينها الإيثيلين والبولي إيثيلين وجلايكول الإيثيلين، وهو ما انعكس أيضاً على تقلص هوامش الربح لدى المنتجين.
كما أظهرت تقارير الصناعة أن بعض هوامش المنتجات الرئيسية – مثل البولي بروبيلين مقابل البروبان – شهدت انكماشاً ملحوظاً، ما زاد الضغوط على الشركات المنتجة، وتشير البيانات الصناعية إلى أن أسعار العديد من المنتجات كانت لا تزال أقل من مستوياتها التاريخية بسبب فائض الإنتاج العالمي.
وفي ظل هذه الظروف، بدأت بعض الشركات العالمية بالفعل في خفض الإنتاج أو إغلاق وحدات غير مربحة، بينما اتجهت أخرى إلى عمليات دمج أو إعادة هيكلة لمواجهة الضغوط المتزايدة.
تعطل الإمدادات العالمية
مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، واجهت صناعة البتروكيماويات صدمة من نوع مختلف، فالمضيق يمثل شرياناً رئيسياً لتجارة النفط والغاز والمواد الخام المستخدمة في الصناعات البتروكيماوية، وتعتمد العديد من المصانع في آسيا على الشرق الأوسط لتأمين الجزء الأكبر من احتياجاتها من النافتا واللقيم.
ومع تعطل الإمدادات، اضطرت شركات بتروكيماويات ومصافي في آسيا إلى خفض الإنتاج أو إعلان حالة القوة القاهرة، في حين بدأت بعض الشركات في تأجيل شحنات أو تقليص معدلات التشغيل للحفاظ على المخزون المتاح من المواد الخام، حيث أدت هذه التطورات إلى انخفاض المعروض الفعلي في السوق العالمية، وهو ما انعكس سريعاً على الأسعار.

المصدر: أرقام
ارتفاع أسعار المنتجات
في غضون أيام قليلة، بدأت أسعار عدد كبير من المنتجات البتروكيماوية في الارتفاع، حيث تظهر البيانات أن الحرب أدت إلى صدمة سعرية سريعة في أسواق البتروكيماويات العالمية، حيث ارتفع سعر الإيثيلين في آسيا من نحو 680 دولارًا للطن في الأول من مارس إلى نحو 860 دولارًا بحلول الثامن من الشهر نفسه، بزيادة تقارب 26%، كما قفز سعر الستايرين إلى نحو 1180 دولارًا مقارنة بـ970 دولارًا قبل أسبوع واحد فقط.
ولم تقتصر الارتفاعات على المواد الأساسية، إذ ارتفع سعر البولي بروبيلين في آسيا من نحو 880 إلى 970 دولارًا للطن خلال الفترة نفسها، بينما صعد سعر البولي إيثيلين منخفض الكثافة إلى نحو 1140 دولارًا مقارنة بنحو 940 دولارًا قبل الحرب.
وفي المقابل، ارتفعت أسعار اللقيم بوتيرة ملحوظة، إذ صعد سعر النافثا اليابانية من نحو 635 دولارًا إلى 775 دولارًا للطن، بينما ارتفع البنزين في آسيا إلى نحو 970 دولارًا.
ورغم ذلك، أظهرت الحسابات اتساع السبريد بين بعض المنتجات واللقيم، مثل الإيثيلين مقابل النافثا، ما يشير إلى تحسن محتمل في هوامش الربح لدى شركات البتروكيماويات في حال استمرار هذه المستويات السعرية.
وامتد تأثير هذه التحركات إلى سوق الأسمدة، إذ ارتفع سعر اليوريا في الخليج العربي من نحو 490 دولارًا للطن في الأول من مارس إلى نحو 570 دولارًا بحلول الثامن من الشهر نفسه، في حين صعدت أسعار الأمونيا إلى نحو 510 دولارات.
وتعكس هذه التحركات قفزة سعرية حادة خلال أقل من أسبوع، وهو ما يشير إلى حساسية أسواق البتروكيماويات لأي اضطراب في الإمدادات أو حركة التجارة العالمية، وتأتي هذه القفزة بعد عام اتسم بضعف الأسعار نتيجة فائض المعروض العالمي، ما قد يمنح القطاع فرصة مؤقتة لتحسين الهوامش إذا استمرت اضطرابات الإمدادات.
انعكاس الصدمة على أسهم القطاع
انعكست التحركات في أسواق السلع سريعًا على أداء أسهم شركات البتروكيماويات في السوق السعودية، إذ ارتفع مؤشر أرقام لقطاع البتروكيماويات من نحو 167.3 نقطة في بداية العام إلى 179 نقطة قبل اندلاع الحرب في الأول من مارس، قبل أن يقفز إلى أكثر من 200 نقطة خلال أسبوع واحد فقط، مسجلًا مكاسب تقارب 12% منذ بداية التصعيد.
ويعكس هذا الصعود السريع توقعات المستثمرين بتحسن أسعار المنتجات البتروكيماوية وهوامش الربح في ظل اضطراب الإمدادات العالمية.
الشركات السعودية في موقع أفضل
في ظل هذه التحولات، تبدو شركات البتروكيماويات في الشرق الأوسط، وخاصة في السعودية، في موقع تنافسي أفضل مقارنة بعدد من المنتجين في آسيا وأوروبا.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها انخفاض تكلفة اللقيم المعتمد على الغاز الطبيعي والإيثان، إضافة إلى التكامل الصناعي بين التكرير والبتروكيماويات في عدد من المجمعات الصناعية، كما أن بعض المصانع الواقعة على البحر الأحمر تتمتع بميزة لوجستية إضافية، إذ يمكنها تصدير منتجاتها إلى الأسواق العالمية دون الاعتماد الكامل على المرور عبر مضيق هرمز.
وقد انعكس هذا الوضع على أداء أسهم شركات البتروكيماويات السعودية، التي سجلت مكاسب ملحوظة منذ اندلاع الحرب، مدعومة بتوقعات تحسن الأسعار وهوامش الربح.
هل يشهد القطاع دورة صعود جديدة؟
رغم التحسن الأخير في الأسعار، لا يزال مستقبل القطاع مرتبطاً بعدة عوامل رئيسية، من بينها مدة الاضطرابات الجيوسياسية وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية، فإذا استمرت الاضطرابات لفترة طويلة، قد يظل المعروض محدوداً وتبقى الأسعار مرتفعة.
أما العامل الثاني فهو وتيرة إغلاق أو إعادة هيكلة الطاقة الإنتاجية الزائدة في السوق العالمية، خصوصاً في آسيا وأوروبا، وهو ما قد يسهم في إعادة التوازن بين العرض والطلب، ويتعلق العامل الثالث بأداء الاقتصاد العالمي، إذ إن الطلب على المنتجات البتروكيماوية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنشاط القطاعات الصناعية مثل السيارات والإلكترونيات والبناء.
نقطة تحول محتملة
تشير التطورات الحالية إلى أن صناعة البتروكيماويات قد تكون أمام لحظة تحول مهمة، فبعد سنوات من فائض المعروض وتراجع الأسعار، أدت الصدمات الجيوسياسية إلى تقليص الإمدادات العالمية ورفع الأسعار، وهو ما قد يمنح الشركات المنتجة فرصة لتحسين هوامش الربح وإعادة التوازن إلى السوق.
لكن السؤال الأهم يظل مفتوحاً: هل يمثل ما يحدث حالياً مجرد موجة ارتفاع مؤقتة بسبب الحرب، أم بداية دورة صعود جديدة للقطاع بعد سنوات من الضغوط؟
الإجابة ستتضح مع مرور الأشهر المقبلة، لكنها في كل الأحوال تعكس حقيقة أساسية في أسواق السلع:
في بعض الأحيان، تأتي نقطة التحول من حيث لا يتوقعها أحد.
خاص_الفابيتا


