بحسب الإحصائيات الحديثة للسياحة في السعودية واصلت نموها بمعدلات تنافسية بالمقارنات الدولية بحسب منظمات السياحة وهنا يظهر الجهد المتواصل لوزارة السياحة ومبادراتها والفعاليات الأخرى المصاحبة مثل المواسم التي تقيمها هيئة الترفيه بكافة نسخها المناطقية وأيضا الأنشطة الرياضية المحلية، والدولية التي تستضاف على أرض السعودية.
هذا كله يمثل فرصة أعمال تغتنم خصوصا التجزئة والأغذية والأطعمة والإقامة وغيرها من الأنشطة المرتبطة بإنفاق الأفراد والزائرين سواء من داخل المملكة وبين مناطقها أو الوافدين إلى السعودية من العالم وهنا يجب الانتباه لمن يبحث فرصة الأعمال فلا يكفي أن يزيد عدد السائحين حتى نقول إن اقتصاد السياحة يكبر بالقدر نفسه. فالزائر رقم مهم، لكنه لا يتحول إلى أثر اقتصادي كامل إلا حين يترك إنفاقًا يتوزع على الفندق، والمطعم، والمقهى، والنقل، والتجزئة، والترفيه.
لذلك فإن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس: كم سائحًا استقبلنا؟ بل: كم أنفق هذا السائح؟ وهل نما الإنفاق بالسرعة نفسها التي نما بها العدد ومن هذه المقارنات يعرف أي الفئات من الزائرين نستقطب وأي الخدمات ستحظى بطلب أعلى من الأخرى وهذا يظهره معدل الإنفاق، مع التفريق على أن ما يلائم العلا قد لا يلائم أبها وما يلائمهما قد لا يناسب القصيم وحائل هذا التنوع الواسع إيجابي في تعزيز تنوع فئات الخدمات وأشكالها.
في الربع الأول من 2026، بلغ إجمالي السائحين في السعودية، من الداخل والخارج، 37.2 مليون سائح، وبلغ إنفاقهم 82.7 مليار ريال رقم كبير وفي طريقنا إلى 100 مليار من الإنفاق السياحي لكنه يحمل مفارقة تستحق التوقف: عدد السائحين ارتفع تقريبًا 8% مقارنة بالفترة المماثلة، بينما استقر الإنفاق السياحي الإجمالي دون تغيير يذكر أي أن الحركة اتسعت، لكن الفاتورة لم تكبر معها وهذا يرسم لنا طبيعة الزائرين وأي أشكال الخدمات ينظرون لها عالية الرفاهية، أو فارهه أم اقتصادية؟ بحساب متوسط الإنفاق للسائح الداخلي والدولي والذي بلغ 2200 ريال، تتضح الصورة أكثر. متوسط إنفاق السائح المحلي في الربع الأول يقترب من 1,200 ريال، بينما يتجاوز متوسط إنفاق السائح الوافد 5,700 ريال.
هذه المقارنة لا تقلل من أهمية السياحة المحلية فهي قاعدة الاستقرار، وتملأ المدن في المواسم والإجازات، وتدعم استمرارية الطلب. لكنها تقول إن مضاعفة الأثر الاقتصادي لا تتحقق بالعدد وحده، بل بزيادة متوسط الإنفاق، وإطالة مدة الإقامة، كيف نحفز الزائرين على الإنفاق أكثر؟ وهنا تظهر صلة هذه الأرقام باقتصاد السياحة. فالمطعم لا يستمر بالموسمية! بل بمتوسط الفاتورة والهامش المتبقي منها. والفندق لا يربح من الإشغال وحده، بل من السعر اليومي ومتوسط معدل الإقامة يوما وقيمة، والخدمات المضافة.
والفاعلية لا تقاس بصورة الزحام، بل بما إذا كان الزائر يشتري، ويعود، وينقل التجربة إلى غيره. لذلك فإن الفجوة بين نمو عدد السائحين وتغير إنفاقهم تتحول إلى اختبار للقطاع كله ليحدد شريحته المستهدفة.
التحدي إذن ليس في جذب مزيد من السائحين فقط، فالسعودية بدأت تكسب هذا الرهان. التحدي في تحويل العدد إلى إنفاق مستدام، والإنفاق إلى شركات قادرة على البقاء، لا منشآت تعيش على موسم وتنكمش بعده. وكلما اتسع الفرق بين من يحضر ومن ينفق، زادت الحاجة إلى نماذج تشغيل وتمويل وتسعير أكثر دقة. الخلاصة أن السياحة تبنى على طلب مستدام من خلال فهم طبيعة الخدمات التي يتطلبها الزائرين لا تقاس بعدّاد الزوار وحده.
نقلا عن الاقتصادية


