الذهب ليس خيط دخان

15/02/2026 1
أسامة فاروق

"وسترجع يوما يا ولدي.. مهزوما مكسور الوجدان، وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان"، حين غنّى الراحل عبد الحليم حافظ رائعة "قارئة الفنجان"، لم يكن يتحدث عن أسواق المال أو قرارات الاستثمار في الذهب أو العقار، إلا أن كلمات الأغنية توصف واقع العديد من المستثمرين، فمطاردة "خيط الدخان" لم تعد تقتصر على العاطفة والمشاعر، بل تمتد إلى المحافظ الاستثمارية.

ففي زمن التقلبات والتغيرات الجيوسياسية يتنقل بعض المستثمرين، خاصة المضاربين بين موجات أسواق المال صعودا وهبوطا وقفزات العقار والعملات الرقمية "الكريبتو" مدفوعين بالخوف من فوات الفرص أو الرغبة في ربح سريع، متجاهلين منح محافظهم قدرا من الاتزان والأمان عبر الذهب، ذلك الأصل الذي لا يلهث خلف الضجيج والترندات، ولا تديره جروبات الواتساب، بل ينتظر كالرجل الحكيم لا يتكلم إلا إذا اشتدت الأزمات ليبرز حضوره.

الذهب كما عهدناه لا يحب الظهور ولا يغري بصعود حاد خلال جلسة تداول أو جلستين، هو أصل هادئ كـ"شيخ قبيلة"، ثقيل وبطيء، يقف له الجميع احتراما وتقديرا، يحمل ميزة لا ينافسه فيها أحد: "الثبات" لم يكن يوما مجرد سلعة، بل كان دائما مخزنا للقيمة، وملاذا في أوقات الاضطراب، ومرآةً لقلق الأسواق العالمية، ومعبّرا عن قدرة الدول الاقتصادية.

عندما نعود بالزمن إلى الوراء، نجد أنه مع كل أزمة عالمية، يعود المستثمرون إلى الذهب، ففي فترات التضخم المرتفع، يرتفع بريقه، وعند تذبذب العملات يزداد الطلب عليه، وعندما تتصاعد حدة المخاطر الجيوسياسية، يتحول إلى ملاذ طبيعي آمن لرؤوس الأموال، هذه ليست مصادفة، بل وظيفة تاريخية رافقت الذهب منذ آلاف السنين، ربما تكون قد قرأت هذا الكلام مرارا، ولكني أذكّرك هنا من واقع تجربة: شعرت فيها أنني كنت أطارد سراب.

في كل مرحلة يشهد فيها السوق حراكا لافتا، يظهر "ترند" جديد: أسهم تطير، عقارات تتضخم، وأدوات استثمارية تُقدَّم كأنها اختصار الطريق نحو الثروة، ومع كل اندفاعة، يقفز البعض بكامل سيولته، محاطًا بهواجس فوات الفرص، ساعيا خلف ربح سريع، دون أن يتساءل: ماذا لو تبدّل الأمر؟ وأين صمام الأمان حين تهدأ الضوضاء؟، لتجد في نهاية المطاف "ضياع فلوسك يا صابر".

لو استعرضنا أرقام الذهب، خلال السنوات الخمس الأخيرة (2021-2026) يعكس حجم الفرص الضائعة على بعض المستثمرين، ففي عام 2021، كان الذهب يراوح مستويات الـ 1800 دولار للأونصة، بينما في مطلع 2026، يكسر حاجز الـ 5000 دولار، محققا ارتفاعات كبيرة أمام تآكل العملات الرقمية وتقلبات مؤشرات الأسواق.

خلاصة القول: حتى لا تشعر بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد "خيط دخان"، وتعض أصابع الندم على عدم وضع الذهب ضمن أساس محفظتك، يجب أن ندرك أن الاستثمار الواعي لا يعني الرهان على أصل واحد ولا التحرك مع كل موجة صعود، بل بناء محفظة تتحمل تقلبات الزمن، الاستثمار في الذهب ليس رفاهية أو كمالة، بل عنصر تحوّط أساسي في ظل عالم مليء بالمجانين، والقرار في النهاية لك، عزيزي القارئ، والآن، هل شعرت يوما أن قراراتك الاستثمارية كانت عبارة عن مطاردة "خيط دخان"؟

 

خاص_الفابيتا