الاقتصاد السعودي يكتب فصله الرقمي.. منشآت أكثر اتصالًا وقرارات أذكى

05/01/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

لم يعد التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية مجرد شعار يُرفع في المؤتمرات، بل أصبح واقعًا يوميًا تعيشه المنشآت باختلاف أحجامها وأنشطتها. الأرقام الصادرة حديثًا عن إحصاءات نفاذ واستخدام تقنية المعلومات والاتصالات للمنشآت لعام 2024 تكشف مشهدًا لاقتصاد يتغير بهدوء ولكن بثبات، اقتصاد تُدار تفاصيله عبر الشبكات، وتُتخذ قراراته بلمسة زر، وتُقاس كفاءته بقدرته على استيعاب التقنية وتطويعها.

حين نقول إن 98% من منشآت المملكة لديها اتصال بالإنترنت، فنحن لا نتحدث فقط عن بنية تحتية مكتملة، بل عن قفزة نوعية في طريقة ممارسة الأعمال. الإنترنت لم يعد أداة مساندة، بل صار العمود الفقري للعمليات اليومية، من التواصل مع العملاء إلى إدارة الموارد وتنفيذ المعاملات. هذا الحضور شبه الكامل للإنترنت يعكس سنوات من الاستثمار في البنية الرقمية، ويؤكد أن البيئة السعودية باتت مهيأة لاستقبال مراحل أكثر تقدمًا من التحول الرقمي.

لكن اللافت أن الاتصال بالإنترنت لم يبقَ في حدوده التقليدية. أكثر من ثلاثة أرباع المنشآت تستخدمه في تنفيذ الخدمات المصرفية الإلكترونية، ما يعني أن المال نفسه أصبح يتحرك داخل المنظومة الرقمية بسلاسة وأمان. هنا تتقاطع التقنية مع الثقة، وتتحول البنوك من مبانٍ وطوابير انتظار إلى تطبيقات وخدمات تعمل على مدار الساعة. هذا التحول لا يوفر الوقت والجهد فحسب، بل يعزز كفاءة الدورة الاقتصادية ويقلل من تكاليف التشغيل. أما منصات التواصل الاجتماعي، التي بدأت كمساحات شخصية للتعبير، فقد وجدت لها موقعًا ثابتًا في عالم الأعمال. نحو 63% من المنشآت تستخدم هذه المنصات، ليس فقط للتسويق، بل لبناء علاقة مباشرة مع العملاء، وقياس الرأي العام، واختبار الأفكار الجديدة. المنشأة اليوم لا تنتظر تقارير السوق التقليدية، بل تراقب التعليقات والإعجابات والمشاركات لتفهم مزاج جمهورها لحظة بلحظة. في العمق أكثر، يظهر الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز ملامح المرحلة المقبلة. أكثر من ربع المنشآت في المملكة بدأت بالفعل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في ممارسة أنشطتها. قد تبدو النسبة متواضعة للوهلة الأولى، لكنها تحمل دلالة مهمة: الذكاء الاصطناعي لم يعد حكرًا على الشركات التقنية الكبرى، بل بدأ يتسلل إلى قطاعات متنوعة، من المعلومات والاتصالات إلى المال والتأمين، وحتى التعليم. هذا يعني أن القرار لم يعد يعتمد فقط على الخبرة البشرية، بل على الخوارزميات والتحليل الذكي للبيانات.

 

وجه آخر للتحول

الحوسبة السحابية تمثل وجهًا آخر لهذا التحول. قرابة نصف المنشآت تستخدم خدمات الحوسبة السحابية، سواء في تشغيل البرامج المكتبية الجاهزة أو في تخزين الملفات أو إدارة البريد الإلكتروني. هنا تتغير فلسفة الامتلاك؛ فبدل الاستثمار في خوادم وبنى تحتية مكلفة، باتت المنشآت تشتري الخدمة حسب الحاجة، وتوسعها أو تقلصها بمرونة. هذه المرونة تمنح المنشآت الصغيرة والمتوسطة فرصة منافسة أكبر، وتخفف عنها أعباء مالية كانت تشكل عائقًا للنمو.

ولا يمكن تجاهل حضور إنترنت الأشياء في هذا المشهد. أكثر من ثلثي المنشآت تستخدم هذه التقنيات لأغراض أمن المباني، من كاميرات ذكية وأنظمة إنذار إلى أقفال رقمية. التقنية هنا لا تزيد الكفاءة فقط، بل تعيد تعريف مفهوم السلامة. المبنى لم يعد صامتًا، بل يرسل إشعارات، ويراقب، ويتفاعل. وفي مجالات أخرى، مثل إدارة استهلاك الطاقة والصيانة، بدأت هذه التقنيات تفتح الباب أمام تشغيل أكثر استدامة وأقل هدرًا.

في التعامل مع الجهات الحكومية، يبدو التحول الرقمي أكثر وضوحًا. 92% من المنشآت تستخدم الخدمات الحكومية الإلكترونية، سواء للحصول على معلومات أو تنفيذ معاملات أو استكمال نماذج رسمية. هذه النسبة تعكس نجاحًا واضحًا في رقمنة الخدمات العامة، وتؤكد أن العلاقة بين القطاعين العام والخاص أصبحت أسرع وأقل تعقيدًا. المعاملة التي كانت تستغرق أيامًا أو أسابيع، باتت تُنجز في دقائق، ما ينعكس مباشرة على إنتاجية الأعمال.

حتى التجارة نفسها تغيّرت ملامحها. نحو 47% من المنشآت تستخدم الإنترنت لشراء أو طلب السلع والخدمات، فيما تتزايد نسب البيع الرقمي وتلقي الطلبات عبر الشبكة. السوق لم يعد محصورًا في موقع جغرافي، بل أصبح مفتوحًا، يتسع ويضيق حسب جودة العرض وسرعة الاستجابة. هذا التحول يفرض على المنشآت إعادة التفكير في نماذج أعمالها، وفي كيفية الوصول إلى العملاء والحفاظ عليهم.

مجمل هذه المؤشرات ترسم صورة لاقتصاد سعودي يتحرك بثقة نحو المستقبل. التحول الرقمي لم يعد مشروعًا مؤجلًا أو خيارًا إضافيًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا للبقاء والنمو. وبين منشأة تتبنى الذكاء الاصطناعي وأخرى ما زالت في بدايات استخدام الإنترنت، تتشكل فجوة جديدة، ليست فجوة رأس مال أو موارد، بل فجوة وعي واستعداد. ومن يقرأ هذه الأرقام بعين استراتيجية يدرك أن السباق الحقيقي في السنوات القادمة سيكون على من يحسن استخدام التقنية، لا مجرد امتلاكها.

 

نقلا عن الرياض