حدود ملكية الأجانب في الشركات المدرجة وتجارب الأسواق المالية

26/01/2026 0
محمد الغملاس

تسعى معظم الدول إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتدفق الأموال والاستثمارات في اقتصادها ونظامها المالي، وتعد السوق المالية إحدى الركائز الأساسية في جذب الاستثمارات وأسرعها نمواً مقارنة بالقطاعات الأخرى، حيث أصبحت بيئة الأسواق المالية متاحة لجميع المستثمرين في أنحاء العالم ووسيلة جذب ومركز قوة للنمو وأداة تمويلية لبيئة الاقتصاد وانعكاس مباشر لمؤشراته، وتعد من الفوائد المتحققة لفتح السوق لشريحة أكبر من المستثمرين، تعزيز ممارسات الحوكمة العالمية بشكل أوسع، وتنوع قاعدة المستثمرين، وتعزيز مستوى السيولة وارتفاع التدفقات للأموال الأجنبية، والتي ستعزز من نقل الخبرات والمعرفة ودعم المشاريع وزيادة كفاءة الشركات في تطبيق أفضل الممارسات العالمية، وبالتالي ستؤثر في رفع تصنيف السوق المالية وتخصيص وزن إضافي في المؤشرات العالمية مثل مؤشرات مورجان ستانلي (MSCI) ومؤشرات فوتسي (FTSE Russell) وداو جونز (Dow Jones)، وإس آند بي (S&P). 

ومن حيث واقع الممارسات العالمية سيتم التطرق لتجارب بعض الدول، ففي تجربة الهند اتسمت رحلة فتح السوق المالية برفع القيود بشكل تدريجي ابتداءً من 1992 بالسماح لكل مستثمر مؤسسي أجنبي بملكية لا تزيد على 5% مع حد أقصى لإجمالي المستثمرين يبلغ 24% من أسهم الشركة مع إمكانية لرفع الحد بقرار من مجلس الإدارة والجمعية العمومية للشركة وإشعار الجهة الإشرافية.

وتم تعديل الحد الفردي والإجمالي في الربع الثاني لعام 2020 ليصبح على المستوى القطاعي دون قيود باستثناء قطاعات محددة مثل التأمين، والإعلام، والقطاع المالي 74% أو 49% وقد تم إلغاء الحد لبعض القطاعات المقيدة في نهاية 2025، وبالنظر إلى إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد الهندي منذ  2000 حتى نهاية 2025 فقد وصلت إلى ما يزيد عن 764 مليار دولار من 175 دولة، كما اتصفت الإجراءات لفتح السوق للمستثمر الأجنبي في السوق الهندية بمنهجية احترازية.

أما في ماليزيا فقد أزيلت القيود المفروضة على حدود الملكية للمستثمر الأجنبي مُنذ 2009، وشهدت الفترة السابقة فرض قيود على نسب الملكية ومتطلبات للموافقات المسبقة لعملية التملك والتي أُلغيت لاحقاً باستثناء بعض القطاعات إذ لا تزال هناك حدود مفروضة على قطاعات معينة، مثل القطاع المالي  70% والقطاع التأميني 49%، مع إمكانية تجاوز هذه الحدود بشرط أن تكون الأسهم التي تتجاوز هذه النسب أسهمًا مقيدة في عملية التصويت.

وفي تجربة فيتنام تشير معظم النتائج إلى أن المستثمرين الأجانب يتبنون أفقاً استثمارياً طويل الأجل ويستخدمون إستراتيجية الشراء والاحتفاظ للاستفادة من فرص النمو المحتملة مع تجنب الشركات التي تتسم بممارسات حوكمة ضعيفة، سواء كانت إدارية أو مالية، لما تحمله من مخاطر أكبر.

وبالنظر إلى الممارسات العالمية، يتضح أن عديدا من الدول الناشئة لم تفتح أسواقها المالية دفعة واحدة، بل كانت عملية تدريجية عبر مراحل زمنية، مصحوبة بضوابط حوكمة في كل مرحلة كان الهدف من هذا التدرج هو تفادي التغييرات المفاجئة، نظراً لحساسية بيئة الأسواق المالية تجاه ردود الفعل، ولضمان تعزيز بناء ثقة المستثمرين بشكل تدريجي، وتطوير المنظومة الرقابية، وتحسين جودة الإفصاحات للشركات المدرجة، وتعزيز استدامة التدفقات الأجنبية.

ومن الدروس المستفادة من التجارب العالمية أن القيود العامة أقل كفاءة من القيود القطاعية (أي قيود ذكية وليست عامة) وارتفاع التدفقات للأموال الأجنبية، كما يجب الإفصاح عن التاريخ المستهدف للتغيير بوقت كافٍ ومراحل مبكرة، وتفعيل أدوات المخاطر الاستباقية، وعدم النظر إلى رفع القيود كغاية مالية سريعة بل كجزء من إصلاح هيكلي طويل المدى.

أما من حيث السوق المالية في السعودية، فقد خطت خطوات متأنية في عملية التدرج وتهيئة البنية التحتية والتنظيمية لضمان الحد من تأثير أي مخاطر عالية في بيئة السوق حيث تضمنت قيود الملكية للمستثمر الأجنبي حدّا أقصى لتملك الفرد نسبة لا تزيد على 10% مع حد أقصى لإجمالي المستثمرين الأجانب يبلغ 49% من أسهم الشركة باستثناء المستثمر الإستراتيجي الأجنبي وبالنظر إلي أعلى نسبة لملكية المستثمرين الأجانب دون المستثمر الإستراتيجي للشركات المدرجة في السوق نجدها تصل إلى 33% ومع المستثمر الإستراتيجي تصل إلى 59% وفق البيانات المنشورة حتى مطلع هذا العام.

وأخيراً، سيظل التساؤل في ظل الممارسات العالمية ما بين دول تُمكِّن فتح أسواقها دون قيود على حدود الملكية للمستثمر الأجنبي وما بين دول تدرجت في فتح أسواقها في مراحل لاحقة وصولاً الي حدود قصوى، ولما تلعبه أسواق رأس المال من دور محوري في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

لذا  تلعب الأنظمة والقوانين دورًا حاسمًا في التمكين والتفعيل، وسعياً إلي تحقيق هدف تحويل السوق إلى سوق مالية عالمية سيتطلب الأمر مزيدا من التمكين في حدود الملكية ومدى قابليتها للتكيف مع المتغيرات والظروف الاقتصادية، والنظر في تلك التجارب والاستفادة منها والعمل على حوكمة الإجراءات التنظيمية ودرجة المواءمة ما بين الجهات الإشرافية بهدف تكامل أدوار هذه الجهات لضمان الاستقرار المالي.

 

نقلا عن الاقتصادية