سياسة الاستثمار ليس وثيقة شكلية

21/01/2026 0
راضي الحداد

في فترات التذبذب المرتفع، لا تكون المشكلة الأساسية في الأسواق بقدر ما تكون في طريقة استجابة المستثمرين. فالتاريخ   يثبت أن الخسائر الكبرى غالبًا لا تنشأ من الحدث ذاته، بل من القرارات العاطفية التي تُتخذ تحت ضغط الخوف أو الطمع. هنا تحديدًا تظهر أهمية السياسة الاستثمارية، ليس كوثيقة شكلية، بل كنظام حوكمة يحكم القرار الاستثماري ويضبط السلوك.

يُشبّه المستثمر الأسطوري هوارد ماركس الأسواق المتقلبة بمرايا مشوّهة تعكس المشاعر أكثر مما تعكس القيم، ويقول:

“The biggest investing errors come not from factors that are informational or analytical, but from those that are psychological.”

هذا الإدراك كان الأساس في بناء فلسفة استثمارية تعتمد على الانضباط لا التنبؤ.

المشهد يشبه ما يحدث عند اندلاع حريق في مكان مزدحم , كثيرون لا يفقدون حياتهم بسبب النار ذاتها، بل بسبب التدافع وفقدان النظام. الخطر الحقيقي ليس الحدث.. بل طريقة التعامل معه.

في الأسواق، الأخبار السلبية أو الإيجابية المفرطة تشعل العاطفة، ومع غياب المنهجية تتحول القرارات إلى ردود فعل، فتضيع الرؤية ويُساء تقدير المخاطر.

لهذا السبب، السياسة الاستثمارية ليست ترفًا، بل نظام أمان:

•تضبط العاطفة

•تحوّل الضجيج إلى إشارات

•وتمنح متخذ القرار القدرة على التمييز بين ما هو مؤقت وما هو جوهري

 تشهد الأسواق المالية حاليًا مستويات تذبذب أعلى من متوسطها التاريخي نتيجة تداخل عدة عوامل رئيسية، أبرزها عدم اليقين المرتبط بالسياسات النقدية وتقلب توقعات أسعار الفائدة، إضافة إلى تصاعد المخاطر الجيوسياسية التي أحدثت صدمات مفاجئة في أسواق الطاقة والسلع، كما أن ارتفاع مستويات الدين العام والخاص زاد من حساسية الأسواق لأي تغيير في النمو أو تكاليف التمويل، في حين أسهم انتشار التداول الخوارزمي وصناديق المؤشرات في تضخيم التحركات قصيرة الأجل، فضلًا عن التقييمات المرتفعة لبعض القطاعات – خصوصًا التكنولوجيا – التي جعلت الأسواق أكثر عرضة لتصحيحات حادة، 

وفي مثل هذه البيئة نحتاج إلى منهجية عملية للاستثمار تكون واضحة ومنضبطة، إذ أصبحت ضرورتها الآن أكثر من أي وقت مضى. ومن خلال خبرتي كعضو لجنة استثمار في شركات متعددة، أود توضيح الأثر الجوهري الذي تلعبه منهجية الاستثمار في اتخاذ القرار وتعزيز استقراء الأداء.

منهجية الاستثمار تُعد جزءًا من سياسة الاستثمار التي تتضمن العائد الاستثماري المستهدف، ومستوى المخاطر المقبول، وكذلك الأصول التي تحتويها المحفظة والتوزيع الاستراتيجي بين هذه الأصول، بالإضافة إلى آفاق الاستثمار.

ومن أهم فوائد منهجية الاستثمار ما يلي:

تقليل تأثير العواطف على القرارات الاستثمارية

تُعد القرارات الانفعالية أحد أبرز أسباب الخسائر في فترات التقلب. إن منهجية الاستثمار تضع إطارا موضوعيًا يحد من تأثير الخوف والجشع، ويتضمن اتخاذ القرارات بناءً على معايير مدروسة وليست ردود فعل لحظية.

أتذكر عندما حدثت جائحة كوفيد-19 عام 2020 م، كان الخوف مسيطرًا على الأسواق بشكل كبير، مما أدى إلى انخفاض الأسعار بشكل ملحوظ. نتج عن ذلك انخفاض نسبة الأسهم عن الحد الاستراتيجي الذي أوضحته سياسة الاستثمار، وهذا ما جعلنا نزيد حصصنا في الأسهم وقت النزول اذ انخفض التعرض للأسهم إلى مستوى أقل مما تسمح به سياسة الاستثمار ، مما انعكس أثره على أداء المحفظة بعد زوال الجائحة.

كما أن نسبة توزيع الأصول المقررة في سياسة الاستثمار  حدّت من تأثير العواطف على القرارات الاستثمارية، ولعبت منهجية الاستثمار دورًا في تحقيق أداء يتجاوز المؤشر.

النجاح الاستثماري لا يتحقق بقرارات لامعة متفرقة، بل باتساق القرار  عبر  الزمن.

يؤكد جون بوغل، مؤسس Vanguard، أن الانضباط أهم من الذكاء الاستثماري، بقوله:

“Time is your friend; impulse is your enemy

تعزيز إدارة المخاطر والتحكم في التذبذب 

لابد أن تنص سياسة الاستثمار على تحديد مستوى المخاطر المقبول، مع تعريف المخاطر بشكل واضح وكيفية قياسه وإدارته . فمثلا  في بعض المحافظ التي نشرف عليها بصفتنا عضو في لجنة الاستثمار حددنا مستوى المخاطر المقبول والمقاس  بالانحراف المعياري  7%  على أن يتم استخدام على معلومات شهرية لمدة خمس سنوات , فإذا ارتفع مستوى المخاطر عن هذا المستوى نقوم بتخفيض عناصر النمو في المحفظة أو العناصر التي تتسم بالتقلبات الكبيرة وهذا ما جعلنا في لجنة نقوم بتخفيض التعرض  للقطاع التكنولوجي وزيادة الاستثمار في  البنية التحتية . هذا مثال  واضح على  كيف تساهم سياسة الاستثمار في إدارة المحفظة على أساس إطار منظبط.

ركز راي داليو، مؤسس Bridgewater، على أن إدارة المخاطر أهم من اختيار الأصول ذاتها. ويقول:

“If you don’t worry about risk, you don’t understand risk”

ضمان الاتساق والانضباط في تنفيذ الاستراتيجية

تُمكّن سياسة الاستثمار من تحقيق الاتساق في القرارات عبر الزمن، بغض النظر عن تغير ظروف السوق. ويسهم هذا الاتساق في تقليل التشتت وتثبيت الاستراتيجية طويلة المدى، مما يدعم تحقيق العوائد المستهدفة واستقرار الأداء.

يقلّل من التشتت ويضمن أن القرارات تتم بناءً على نفس المعايير مهما تغيّرت ظروف السوق.

رفع جودة التحليل والاعتماد على البيانات 

إن هذا الانضباط القائم على البيانات لا يضمن فقط كفاءة القرارات، بل يقلل أيضًا من تأثير التحيز السلوكي البشري، مما يحافظ على استراتيجية المحفظة متعددة الأصول متماسكة ومنطقية في جميع ظروف السوق. ومن أهم الأمثلة الذي أتذكرها جيدا هي قرارنا بتخفيض نسبة التعرض إلى السندات الحكومية والاعتماد على منهجية الإدارة الخاملة مع التركيز على التوزيع وفقا للقطاعات الواعدة أو على ثيم معين , فمثلا زاد تركيزنا في المحفظة على أسهم القطاع التكنولوجي بسبب اعتقادنا بأن عصرنا الحالي قائم على المعلومات , كذلك تحليلنا للعلاقة بين الذهب والأصول الأخرى شجعتنا على زيادة التعرض للذهب.

تطوير الاستراتيجية وتحسين الأداء بمرور الوقت

توفر العملية الاستثمارية آلية لقياس النتائج وتحليل الأخطاء واستخلاص الدروس، مما يتيح تحسين الاستراتيجية بشكل مستمر. ويُعد ذلك عنصرًا أساسيًا لضمان تطور عملية اتخاذ القرار ورفع جودة المحفظة. أتذكر عند  بدأنا مع عملائنا كانت الاستراتيجية المشهورة والمتعارف عليها هي توزيع المحفظة بين الأسهم والسندات  بنسبة 60\40, ولكن استطعنا تطوير الاستراتيجية من خلال تحليل نتائج المحفظة فأضفنا إليها الأسهم الخاصة وصناديق العقار  والذهب وابتكرنا منهجية أخرى في توزيع الأصول بجانب توزيع الأصول المتعارف عليها وهي توزيع إلى الأصول حسب الأهداف الاستثمارية وقد قسمنا المحفظة إلى  النمو والدخل والحماية , هذه المنهجية جعلتنا نتحكم في الأداء بطريقة أفضل  وكان أداء المحفظة أفضل في عام 2022حيث سجلت السندات أسوء أداء لها منذ أكثر من قرنين من الزمن.

حماية رأس المال في فترة الهبوط  

 تعد  حماية رأس المال الركيزة الأساسية لأي منهجية استثمار ناجحة وطويلة الأجل، وهي أكثر من مجرد تجنب الخسائر؛ بل هي ضمان استدامة القدرة على تحقيق العوائد. في أوقات الهبوط وعدم اليقين، تعتمد منهجيتنا متعددة الأصول على استراتيجيات صارمة تشمل التنويع الفعال بين الأصول ذات الارتباط المنخفض (كالأسهم والاصول البديلة )، واستخدام أدوات التحوط المشتقة (Derivatives) لتوفير "بوليصة تأمين" ضد الانكماش الواسع أو زيادة مستوى النقدية . إضافة إلى ذلك، يجب أن نعي حقيقة رياضية صارمة: كلما كانت الخسارة أكبر، أصبحت الحاجة إلى عوائد أكبر للتعافي أكثر صعوبة. فلو أن المحفظة تعرضت لهبوط حاد بلغ   50%   من قيمتها، فإن المحفظة تحتاج أن  تحقق ارتفاعًا بنسبة   100%  لتعويض تلك الخسارة. هذا التناظر غير المتكافئ يوضح بجلاء لماذا تُعدّ منهجية تحديد الخسائر (Loss Limitation) هدفًا استراتيجيًا يسبق محاولات مضاعفة الأرباح.

 إن وجود *سياسة استثمار ومنهجية منضبطة* ليس مجرد عنصر تنظيمي، بل يمثل ركيزة استراتيجية لضمان الاستقرار وتحسين النتائج في الأسواق المتقلبة. وتوفر هذه العملية إطارا يساعد على حماية رأس المال، ورفع جودة الأداء، وتحقيق أهداف الاستثمار بفعالية وانضباط، حتى في أصعب الظروف السوقية.

 

خاص_الفابيتا