لم تكن جماعة الحوثي قادرة على بسط سلطتها في صنعاء لولا التدفقات المالية التي تصلها من مصادر خارجية، هدفها تعميق الفرقة، ونشر الفوضى، وتغذية الصراع الداخلي في اليمن، وتهديد أمن المنطقة.
مكنت الأموال القذرة جماعة الحوثي من شراء الذمم، واستمالة مجموعات من اليمنيين، لتحقيق أهدافها التخريبية، وأهداف قوى خارجية. وزارة الخزانة الأميركية استهدفت شبكات تمويل جماعة الحوثي اليمنية، وفرضت عليها عقوبات جديدة طالت 21 فردا وكيانا بالإضافة إلى سفينة واحدة، وبعض الشركات التي تعتبر واجهة للحوثيين في اليمن والإمارات.
لم تكن تلك العقوبات الأولى التي فرضت على جماعة الحوثي، وأذرعها المالية، بل سبقتها عقوبات أمريكية على شبكات دعم أخرى، ومنها عقوبات طالت 32 فرداً وكياناً في الإمارات، مرتبطة بنقل نفط إيراني، أو تمويل للحوثيين من خلال بيع النفط بطرق غير مشروعة، وتحويل عائداتها للجماعة.
استهداف قنوات تمويل جماعة الحوثي هو استهداف لواجهات مالية نشطة، في اليمن والإمارات، تعمل خارج النظام المصرفي لتسهيل التدفقات المالية غير المشروعة. يبدو أن الحوثيين استنسخوا السياسة المالية لحزب الله، والحرس الثوري الإيراني، وآليات التمويل القذر، وطبقوها في اليمن، وهو أمر غير مستغرب لارتباط الجماعة الوثيق بإيران، وحزب الله، ووجود قادة عسكريين إيرانيين، ومصرفيين متخصصين في عمليات التمويل وغسل الأموال، وإدارة التدفقات المالية بعيدا عن الرقابة الدولية.
غير أن اللافت هو بروز اسم شركات إماراتية، ضمن الشركات التي طالتها العقوبات، ومنها شركة جَنَّة الأنهار للتجارة العامة، التي تعتبر من أخطر أركان شبكة التمويل الخارجية. مصادر صحفية أشارت إلى أن الشركة كانت تقوم بدور غرفة المقاصة لحوالات السوق السوداء المرتبطة بالحوثيين. ومن منظور مصرفي، تشكل غرفة المقاصة الشريان الرئيس لإدارة الأموال وتحويلها، وتدقيق عملياتها وتوجيه تدفقاتها، وغسل الأموال. وفي الحالة الحوثية، ارتبط الأمر بجمع الأموال، وغسلها، والتعامل مع الأنظمة المارقة المنغمسة في تمويل الإرهاب الدولي، وشراء الأسلحة وقطع الغيار والسلع المهربة من السوق السوداء.
ارتباط شركة «جنة الأنهار» بقنوات مالية خارجية في الإمارات وخارجها، سهل للحوثيين تجاوز القيود المصرفية، والتحايل على الأنظمة الدولية، وتشريعات مجموعة العمل المالي FATF ، المعنية بالالتزام المالي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ومكنها أيضا من تلقي أموال ضخمة على شكل هبات مباشرة، تصنف رسميا، ضمن عمليات تمويل الإرهاب، وتعتبر أيضا جزءا لا يتجزأ من عمليات غسل الأموال الدولية، أي أنها تنطوي على جريمتين محرمتين دوليا.
تمويل جماعة الحوثي من خلال شركات وظيفية، تعتبر واجهة لعمليات قذرة، ومسجلة في الإمارات، تجعل حكومة أبوظبي مسؤولة عن كل ما يصدر عنها، ويؤكد الارتباط المالي الذي كشفت عنه الولايات المتحدة، من خلال عقوباتها المعلنة. هناك تناقض صارخ بين التصريحات الرسمية لأبوظبي، الداعمة للمملكة، وأمن واستقرار اليمن، وبين ما تقوم به على أرض الواقع من دعم جماعة الحوثي، ومحاولة زعزعة أمن واستقرار اليمن، وتداعيات ذلك على أمن المملكة.
خلال العقد الماضي، نشطت بعض المصارف العاملة في الإمارات، في التحايل على العقوبات الدولية المفروضة على إيران، وساهمت في فتح اعتمادات مستندية لتغطية وارداتها من السلع وقطع الغيار وغيرها من الاحتياجات للسوق الإيرانية، ما تسبب في فرض عقوبات مالية عليها. بنك ABN-AMRO من البنوك التي كانت تعمل في السوق الإماراتية، قبل إغلاقه، الملاحقات القانونية من وزارة العدل الأميركية.
الأكيد أن بعض الشركات المسجلة في الإمارات، كانت واجهة لإيران، ولعبت دور رئيس في كسر العقوبات المفروضة عليها، آنذاك، والتعامل مع الأسواق الدولية نيابة عنها. بات المشهد اليوم مشابها لما كان عليه سابقا. فبالرغم من اختلاف آلية التمويل، والمستفيد من تلك الأموال القذرة، إلا أن الجهة المستهدفة باتت ثابتة، وهي المملكة.
تفكيك منظومة الحوثيين العابرة للحدود، واستهداف الكيانات المسجلة في الإمارات، وتجفيف منابع تمويل الحوثيين، هو الهدف المعلن اليوم، غير أن الأمر لا يخلو من أهداف مستترة، ومنها بناء ملف إدانة بتمويل الإرهاب الدولي، وربطه بالدول الحاضنة لتلك الشركات، أو المنخرطة في التعامل معها، بما فيها الإمارات، وبما يسمح بفرض عقوبات مالية ضخمة، أو ربما إبتزازها لعقود قادمة، وهو أمر قد لا تدركه حكومة أبوظبي اليوم، برغم مخاطره المدمرة، ما قد يتسبب في تعرضهم لمخاطر مالية واقتصادية، وسياسية مختلفة، وعقوبات دولية مؤلمة، وإجراءات حازمة من المملكة في حال استمرار التحريض عليها. فهل تُدرك حكومة أبوظبي تلك المخاطر، أم غابت مع نشوة المغامرات، والأمنيات غير المحسوبة؟!.
نقلا عن الجزيرة


