نجا الجنوب اليمني من فوضى التناحر والاقتتال، بفضل الله أولاً، ثم بجهود المملكة التي عملت على تحقيق أمنه واستقراره وتوفير الدعم الشامل المحقق لتنميته واستكمال الخدمات الأساسية فيه، وبناء مؤسساته وفق تشريعات واضحة تم الإتفاق عليها من أصحاب الشأن، ومنها مخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل 2014 واتفاق الرياض 2019 وقرار نقل السلطة 2022.
لم يكن الاهتمام بالجنوب اليمني استثناءً، بل امتد ليشمل اليمن بأكمله، حيث سعت المملكة لتحقيق أمنه واستقراره، والمساهمة في مشروعات التنمية، غير أن الاختلافات الداخلية، والتدخلات الخارجية، وضيق الأفق السياسي، والأطماع التي حملت البعض للتضحية بمستقبل اليمن وأمنه والانحياز لأطراف خارجية تستهدف نشر الفوضى لأهداف شيطانية، حدت من جهود الخير التي تتبناها المملكة، التي بذلت جهوداً مكثفة لترسيخ الأمن والسلام، ودعم الإقتصاد اليمني، واستمرت في جهودها حتى يومنا الحالي، وفي الوقت عينه دعمت القضية الجنوبية لعدالتها، وأبعادها التاريخية، وربطتها بالحلول الدبلوماسية والحوار اليمني، وبما يتوافق مع رؤية الجنوبيين، بما فيهم المجلس الانتقالي الجنوبي، وبما لايسمح بأحادية الرأي، والخروج عن إجماع جميع الأطياف الجنوبية.
وبالرغم من التحديات الكبرى، نجحت المملكة في تحقيق أمن واستقرار الجنوب اليمني، والمساهمة في تنميته، وضخ استثمارات نوعية لاستكمال الخدمات الرئيسة فيه، يعينها في ذلك رغبة الجنوبيين في تحقيق أمنهم ودعم اقتصادهم، وحمايتهم من المخاطر المحيطة بهم، فنعموا بالأمن والسلام بعيدا عن منغصات العيش التي يعاني منها الشعب اليمني في الشمال.
لعبت المملكة الدور الرئيس في إنقاذ الجنوب من الحوثيين، وممن ناصرهم من اليمنيين، ونأت به بعيدا عن الحروب والنزاعات، واستمرت في أداء دورها على أكمل وجه.
فالمملكة هي الحليف الأول والأكثر اهتماما بتحقيق أمن الجنوب واستقراره وهي الداعم الرئيس لاقتصاده والحريصة على منع حدوث الفوضى فيه. فالعلاقة الوثيقة معه، يفرضها التاريخ، والجغرافيا، حيث ترتبط محافظتا حضرموت والمهرة بحدود طويلة مع المملكة، تصل إلى 700 كلم، وأي تهديد لأمن واستقرار الجنوب ينعكس سلبا على أمنها الوطني، الذي تعتبر المساس به خطاً أحمر لن تتردد في اتخاذ كافة الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهته وتحييده.
يبدو أن أمن واستقرار الجنوب اليمني لم يعد ذا أولوية لدى رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، تحركه في ذلك أطماعه الشخصية، والتوجيهات الخارجية التي تستهدف تحقيق مكاسب شخصية على حساب الجنوب والشعب اليمني.
القضية الجنوبية ماهي إلا سبب أستغل لتحقيق أهداف بعيدة كل البعد عن مصالح الجنوبيين أنفسهم، ما دفع المملكة للتدخل من أجل حماية الجنوب من الفوضى والتدمير المتوقع حدوثه، خاصة مع محاولات إدخال أسلحة لدعم قوات المجلس الإنتقالي الجنوبي.
ما تحقق من نجاحات أمنية وتنموية واقتصادية في الجنوب، قد تنهار بسبب تحركات المجلس الانتقالي، والدعم العسكري الذي حاولت الإمارات إيصاله لقوات المجلس عن طريق إدخالها سفينتين محملتين بالسلاح، ما يعني تصعيدا عسكريا، وبداية نشر للفوضى وإشعال حرب بين الجنوبيين، و تصعيدًا وتهديدًا لأمن المملكة لارتباط المحافظتين بحدودها. لم تكن المملكة راغبة في المواجهة، لولا المتغيرات الخطيرة التي أقدم عليها المجلس بدعم وتوجيه من الإمارات، وهي خطوة مفصلية اتخذتها المملكة لتجنيب الجنوب اليمني نزاعا عسكريا مقوضا لأمنه واستقراره.
مشروع اليمن الجديد أكثر ارتباطا بالمملكة، لتأثيره على أمنها الوطني، وتأثير المملكة على الداخل اليمني، وعلى التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار. بل إن المملكة هي الحاضنة لعدد كبير من اليمنيين الذين يعيشون ويعملون فيها ويشكلون فيما بينهم قوة نقدية تسهم تحويلاتهم المالية في تعزيز الاقتصاد اليمني ورفد احتياطيات البنك المركزي بالعملات الصعبة، وإذا ما أضفنا لذلك الدعم المالي والخدمي الذي تقدمه المملكة بشكل دائم لليمن تصبح الصورة أكثر وضوحا بالارتباط الوثيق الذي يدفع المملكة لحماية المنطقة والمحافظة على النجاحات المتحققة في الجنوب اليمني ووقف محاولات جره نحو الفوضى والاقتتال.
تنمية اليمن عموما، والجنوب اليمني على وجه الخصوص من أهداف المملكة الرئيسة، إضافة إلى الهدف الأسمى وهو تحقيق السلام والأمن والاستقرار والازدهار، ومنع حدوث الفوضى وتحقيق التنمية الاقتصادية وبما يعود بالنفع والأمان على الشعب اليمني، يؤكد ذلك استجابة المملكة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي عقد مؤتمر شامل في الرياض يجمع كافة المكونات الجنوبية للحوار وبحث حلول عادلة للقضية الجنوبية.
حل القضية اليمنية، والجنوب اليمني مرتبط بشكل وثيق بالحوار، والحلول الدبلوماسية، والمملكة أكبر الداعمين للحوار الوطني للوصول إلى حلول شاملة تحقق الأمن والسلام وتسهم في إطلاق قطار التنمية وإعادة الإعمار، وهو أمر مرهون برغبة اليمنيين أنفسهم، للاختيار بين الأمن والتنمية والسلام، أو الحرب المدمرة.
نقلا عن الجزيرة


