أنسنة المدينة المنورة

24/02/2026 0
فضل بن سعد البوعينين

لأمانة منطقة المدينة المنورة تجربة عملية في أنسنة الأحياء ومعالجة التشوهات البصرية، وهي وإن كانت في منتصف الطريق، غير أنها تعطي مؤشرا على الاتجاه المستقبلي لبرامج الأنسنة والتطوير التي باتت هدفا إستراتيجيا للأمانة.

أمين منطقة المدينة المنورة المهندس فهد البليهشي أشار في لقاء إعلامي سابق، بأن من الأولويات التي عمل عليها، إلغاء أي مسمى، أو مشروع باسم «ممشى»، لأن ذلك يعد دليلا على الفشل. حيث ينبغي للشخص أن يخرج من بيته ويبدأ رحلة المشي مباشرة. واستشهد بحي الأزهري، والتطوير الذي أُحدِث فيه، تعزيزاً للبعد الإنساني والاهتمام بالسكان والزائرين على حد سواء.

مبادرة رائدة، وجهود مكثفة تركز على تعزيز جودة الحياة للسكان والزوار من خلال تطوير الساحات العامة، المساحات الخضراء، وممرات المشاة، لتحويل المدينة لبيئة صديقة للمشاة، ودمج الهوية الإسلامية، ورفع مستوى السلامة والراحة في المناطق المركزية، أرجو أن تكتمل كما هو مخطط لها، وأن تستنسخ في جميع مناطق ومحافظات ومدن المملكة، بل ويتم تأطيرها بنظام يجعل من الأنسنة قاعدة ثابتة لجميع المشروعات المدنية، الحكومية والخاصة، ويكون التشريع ضابطا لمنظومة الأنسنة في جميع القطاعات، ومن خلاله تُعالج تحديات الأحياء والشوارع القائمة التي لم يراعى فيها البعد الإنساني، حتى أصبحت مخصصة للمركبات، لا الإنسان الأكثر حاجة للحركة والتنقل والتنزه بين جنبات الأحياء والشوارع، مشيا على الأقدام. الأكيد أن مدننا القائمة مُثقلة بالتحديات، وفي مقدمها تحدي الأنسنة، الذي يحتاج إلى معالجة عملية، وإعادة تصميم الشوارع، وتموضع الأشجار، ونشر الحدائق، لتكون صديقة للإنسان لا المركبات.

تعزيز البعد الإنساني في التنمية العمرانية، وتحسين المشهد الحضري ليكون صديقا للإنسان، وداعما للبيئة، وجودة الحياة بات هدفا إستراتيجيا منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، وهو هدف داعم لمستهدفات مرتبطة بقطاعات أخرى من خارج المنظومة البلدية، كمستهدفات وزارة الصحة على سبيل المثال لا الحصر، المرتبطة بصحة الإنسان، ومؤشر ممارسة الرياضة، ورفع متوسط العمر، وهي أمور لا يمكن فصلها عن ممارسة الرياضة، ومنها رياضة المشي، الأكثر شيوعا بين المواطنين والمقيمين، وهي رياضة تحتاج لتوفر البيئة المناسبة لها، ومنها أنسنة المدن التي تمكن الجميع من قطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام، خلال تنقلاتهم اليومية، وإن لم يستهدفوا ممارسة الرياضة، حيث يصبح المشي وقطع المسافات بين وجهاتهم اليومية جزءا من برنامجهم المعتاد.

تحويل بعض أحياء المدينة المنورة إلى بيئة حضارية داعمة للبعد الإنساني، ولبرنامج جودة الحياة، مدعومة ببرامج إجتماعية وثقافية، في المواقع المستهدفة، و إيجاد مسارات للدراجات، وللمشاة، وإعادة تشكيل منظومة التشجير لدعم مشروع الأنسنة، إضافة إلى تخصيص مسارات لحافلات النقل السريعة، إنعكس إيجابا على السكان، والزائرين، وبخاصة ضيوف الرحمن الذين أصبحوا قادرين على التنقل بين المواقع المرتبطة بالمسجد النبوي ومسجد قباء وبعض المواقع التاريخية دون الحاجة لإستخدام وسائل النقل.

جهود مباركة، تذكر فتشكر، وتحفزنا على طلب المزيد لتحويل المدينة المنورة إلى نموذج حضاري وإنساني مكتمل الأركان.

قد تكون التحديات كبيرة، فمعالجة القصور في الأحياء والشوارع القائمة ليس بالأمر الهين، مقارنة بالمخططات والشوارع الجديدة التي يمكن أنسنتها ابتداء، غير أنها ليست بالمستحيلة أيضا، فالنجاح المتحقق في بعض المواقع المستهدفة بالأنسنة يؤكد قدرة الأمانة المضي قدما في مشروعها الإستراتيجي.

وبالرغم من أهمية ونجاعة مشروع الأنسنة، وتطوير الأحياء والمشهد الحضري عموما، يحتل طريق المشاة الرابط بين المسجد النبوي ومسجد قباء، الأهمية القصوى لسكان المدينة، وضيوف الرحمن، لأهمية مسجد قباء التاريخية والدينية من جهة، وأهمية التنقل بين المسجد النبوي ومسجد قباء سيرا على الأقدام إحياء لسنة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وطلبا للأجر والمثوبة.

ومع اكتمال الطريق، وتهيئته للمشاة، وتحوله إلى موقع جذب للزوار، باتت الحاجة ملحة لاستكمال تطويره، وتطوير البيئة الحاضنة للطريق على امتداد ثلاثة كيلومترات.

هناك جهود ملموسة للتطوير، غير أن معالجة تحديات التشوه البصري في بعض المواقع، والتوسع في عمليات التشجير على جانبي الطريق، واستكمال تطوير المناطق المحيطة وتحويل جانب منها إلى مسطحات خضراء، ومتاجر وفق تصاميم متجانسة، تعكس هوية المدينة الثقافية، ومقاهي، وحدائق عامة معززة للحركة التجارية والسياحية، من المتطلبات المُلحة، والداعمة لمنظومة التطوير الشامل لطريق المشاة.

 

نقلا عن الجزيرة