توجهات أبحاث سياسات التعليم العالمية في العشرين سنة الماضية

03/01/2026 1
د. إبراهيم بن محمود بابللي

تعكس أولويات أبحاث السياسة التعليمية وتطورها التحديات المجتمعية المتغيرة، والتحولات الاقتصادية، ونتائج الدراسات التي تُثبِتُ أو تدحض رأياً أو نظرية أو توجّهاً كان معتمداً (Emerging evidence). 

وإن القراءة المتأنّية – تاريخياً - لسياسات التعليم وكيفية تطويرها في دول العالم المختلفة تُظهِر عناصرَ مهمّةً أثّرتْ على تطوّر منظومة التعليم وتطويرها في هذه الدول. نذكر منها: 

•غالبية الدول التي تَطَوّر التعليم فيها بشكل واضح لم تعتمد في تطوير تعليمها على الآخر، سواء كان الآخر شركات استشارية أو البنك الدولي أو اليونسكو، أو غيرهم، بل كان التطوير – في معظم مجالاته – من داخل المنظومة/الدولة.

•غالبية الدول الصناعية عمِلت هي على تطوير منظومة التعليم فيها، بما في ذلك تشخيص التحديات واقتراح الحلول. في المقابل، كثيرٌ من الدول النامية اعتمدت على غيرها في تطوير منظومة التعليم فيها. وكانت النتيجة واضحة وجليّة: من اعتمد على نفسه نجح، ومن لجأ إلى غيره تعثّر، مع تفاوت في مستويات النجاح والتعثّر.

•كان الدافع الرئيس لتطوير التعليم في القرن العشرين الرغبة في التنمية الإنسانية والاقتصادية والمجتمعية، ثم أصبح الدافع الرئيس – لكثير من الدول – الرغبة في تحسين نتائج منظومة التعليم في الاختبارات المعيارية الدولية، بدءاً من مطلع القرن الواحد والعشرين. 

•عند تشخيص التحديات في منظومة التعليم في الاقتصادات النامية، نجد أن التركيز يكون على جوانب القصور في منظومة التعليم في الاقتصادات النامية،  ولكن الحلول تأتي دائماً، أو تكاد، مما جرّبته الدول الصناعية وطبّقته.

سننظر باختصار – آمل أن يكون غيرَ مخل – إلى تطور سياسات التعليم في بعض دول العالم خلال العشرين سنة الماضية، باستخدام تجمّعات إقليمية: الدول الاسكندنافية، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ودول جنوب شرق آسيا الصناعية، مع التنبيه على وجود تباين بين الدول، حتى ضمن المنطقة الواحدة المستخدمة في المقارنة. 

هناك توجهات عالمية مشتركة في تطور سياسات التعليم، ولكن السياق الإقليمي والمحلي يُظهِر أولويات بحثية للسياسات مختلفةٍ بشكل كبير. وإن كثيراً من التوجهات العالمية المشتركة تنتج عن مُسبِّبات خارجة عن المنظومة، مثل أهداف التنمية المستدامة، وجائحة كوفيد، والتطور السريع جداً للذكاء الصناعي، ولكن الواقع يملي بأن تتعامل أبحاث السياسات التعليمية مع المشكلات المجتمعية والاقتصادية الأكثر إلحاحًا في المنطقة، التي تؤثر مباشرة على منظومة التعليم. ونجد عناصر مشتركة بين كل المجموعات التي استخدمناها في هذه المراجعة السريعة، لعل أوضحها: التعليم حق إنساني، والجودة، والتقنية، وصحة الطالب الجسدية والنفسية، ولكن تتباين هذه العناصر في أهميتها من دولة لأخرى ومن منطقة لأخرى، بالاعتماد على السياق المحلّي. 

 
 
 
التنوع الإقليمي واضح كما رأينا، ولكن كان لثلاثة اتجاهات رئيسة أثر واضح على أبحاث سياسات التعليم في معظم دول العالم من بداية القرن الواحد والعشرين:
1.انتقل التركيز من أهمية إتاحة الفرصة للجميع للتعلّم، إلى نتائج الاختبارات المعيارية الدولية، فالاهتمام بالصحة العقلية والنفسية للطلاب. 
2.بدأت الدول الصناعية بتطوير التعليم، ثم صدّرت ما قامت به لدول الاقتصادات النامية، إمّا تصديراً مباشراً وإما عن طريق المنظمات الدولية أو شركات الاستشارات الإدارية التي تهيمن عليها الدول الصناعية. ولكن انتبه عدد من الاقتصادات النامية – بعدما جرّبوا الوصفات التي أتى بها الآخر – إلى أهمية معالجة الفجوات والتحديات والفرص غير المتكافئة بالتركيز على السياق الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي واللغوي.
3.تطور دور التقنية من أداة مكمّلة (مثل: معامل الحاسب، والإنترنت) إلى عنصر أصيل في طريقة التعليم والتعلّم (مثل: المقررات المفتوحة عبر الإنترنت، والتحول الرقمي)، إلى مُؤّثر قد يغيّر مفهوم التعليم جذرياً (مثل: الذكاء الصناعي، والتعلم الشخصي).
وسنعرض في المقالات التالية – بإذن الله – إلى عدد من الأمور التي نحسبها مهمّة، نرى أهمية أن تصاغ لها سياسات تُرشِد متخذي القرار لكيفية التعامل معها.
 
 
 
خاص_الفابيتا