متانة أي اقتصاد تتجلى في قدرته على اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية واستقطاب السيّاح من أصقاع العالم، فهما الميزان الحقيقي لمدى ثقة الخارج بصلابة السوق وجاذبيته، وإذا كانت الأرقام لغة لا تعرف المجاملة، فإن ما تكشفه الرسوم البيانية في هذا التقرير يبرهن بوضوح على تقدّم المملكة في كلا المسارين، تدفقات استثمارية أجنبية تتنامى، وحركة سياحية وافدة تتسارع بوتيرة غير مسبوقة، وهذه المؤشرات ليست أرقاماً جامدة، بل شهادة حيّة على فاعلية الإصلاحات الاقتصادية ورسوخ مسارها، وإشارة دامغة إلى أن السعودية تسير بخطى واثقة نحو ترجمة رؤيتها إلى واقعٍ ملموس يلمسه المستثمر ثقةً، ويعيشه السائح تجربةً.
في الربع الثاني من عام 2025 رسم تقرير المرصد الاقتصادي والاستثماري صورة دقيقة للاقتصاد السعودي، صورة تكشف عن قوة الأسس التي يقوم عليها هذا الاقتصاد وفي الوقت ذاته تعكس حجم التحديات التي يواجهها، فقد أشار التقرير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سجل نمواً بنسبة 1.3% على أساس سنوي، وهو نمو جاء مدفوعاً بالأنشطة غير النفطية التي ارتفعت بنسبة 4.4%، بينما تراجع الناتج النفطي بنسبة 6.3% نتيجة خفض الإنتاج الطوعي ضمن اتفاق “أوبك بلس” هذا التباين يعكس التحول البنيوي الذي تشهده المملكة نحو تقليل الاعتماد على النفط كمحرك رئيس للنمو، وتوسيع قاعدة القطاعات المنتجة، وهو ما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030.
أما على صعيد الأسعار، فقد بلغ معدل التضخم 2.2% في الربع الثاني 2025، متأثراً بارتفاع أسعار الإيجارات وبعض السلع الغذائية، لكنه ظل ضمن النطاق المستهدف ويدل على نجاح السياسات النقدية والمالية في المحافظة على استقرار القوة الشرائية، هذا الاستقرار يعد عاملاً محورياً في تعزيز ثقة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء، وفي سوق العمل سجلت الأرقام تحسناً لافتاً، إذ تراجع معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.3% وهو الأدنى تاريخيًا، كما ارتفعت مشاركة النساء في القوى العاملة إلى 35.6% هذه التحولات لا تمثل مجرد إنجاز اجتماعي بل تمثل أيضاً رافعة للنمو المستقبلي، حيث إن توسع قاعدة القوى العاملة يرفع الإنتاجية ويزيد الطلب المحلي ويحرك النشاط الاقتصادي.
ومن أبرز ما تناوله التقرير مسألة الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث بلغت التدفقات الداخلة إلى المملكة 7.9 مليارات دولار في الربع الثاني مقارنة بـ6.6 مليارات دولار في الربع السابق، هذه الزيادة تعكس استمرار ثقة المستثمرين العالميين في الاقتصاد السعودي وقدرته على توفير بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة، وقد تركزت الاستثمارات في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة المتجددة والتقنية والدواء والخدمات اللوجستية، مدفوعة بمبادرات المناطق الاقتصادية الخاصة وتوقيع اتفاقيات كبرى مع شركات عالمية.
ولأول مرة يتحول ميزان المدفوعات في بند السفر من السالب إلى الموجب، بعد أن تجاوز إنفاق السياح الأجانب داخل المملكة ما ينفقه السعوديون في الخارج، ويعود هذا التحول إلى تسهيل إجراءات الدخول وزيادة أعداد الزوار، ما جعل السياحة مورداً صافياً يعزز الاقتصاد الوطني، ويدعم قطاعات الضيافة والنقل والترفيه كأحد أعمدة التنويع الاقتصادي.
ولم يغفل التقرير الحديث عن المشروعات الكبرى التي تعد ركيزة أساسية لرؤية 2030، حيث أكد أن مشاريع مثل نيوم والقدية والبحر الأحمر تمضي في مراحل متقدمة من التنفيذ وتوفر فرصاً استثمارية ضخمة وتساهم في خلق الوظائف وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، كما أبرز توجه المملكة نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة لتكون لاعباً مؤثراً ليس فقط في سوق النفط وإنما في مستقبل الطاقة النظيفة عالمياً، ومع هذه المؤشرات الإيجابية يبقى المشهد محفوفاً بتحديات لا يمكن إغفالها، فالتوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار النفط واستمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي كلها عوامل قد تضغط على الأداء الاقتصادي في المستقبل القريب، غير أن المرونة التي أظهرتها المملكة في سياساتها المالية والنقدية، إضافة إلى خططها الطموحة في جذب الاستثمارات وتنويع الاقتصاد، تمنحها القدرة على مواجهة هذه التحديات.
إن قراءة متأنية لما ورد في التقرير توضح أن الاقتصاد السعودي يقف عند نقطة توازن دقيقة، فهو يمتلك أساسيات قوية تتمثل في الاستقرار النقدي وتراجع البطالة وارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي، وفي الوقت نفسه يواجه تحديات عالمية تتطلب اليقظة، غير أن ما يمنح التفاؤل أن هذه المؤشرات الإيجابية ليست مجرد أرقام عابرة، بل هي نتائج لسياسات إصلاحية طويلة المدى تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهداف رؤية 2030 وإذا استمرت هذه الديناميكية، فإن الاقتصاد السعودي مرشح ليكون أحد أسرع الاقتصادات نمواً وأكثرها تنوعاً وتأثيراً على مستوى العالم في السنوات المقبلة، ولعل ما يميز تقرير المرصد الاقتصادي والاستثماري للربع الثاني 2025 أنه لا يكتفي برصد الأرقام والمؤشرات بل يضعها في سياق استراتيجي أوسع، فقد أشار بوضوح إلى أن المملكة تمضي نحو تعزيز بيئتها الاستثمارية عبر تطوير التشريعات وتحفيز الشراكات مع القطاع الخاص، إضافة إلى التوسع في تبني التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي كمحركات أساسية للنمو، كما شدد التقرير على أن النجاحات المحققة حتى الآن ليست سوى بداية لمسار أطول يستهدف تحقيق اقتصاد أكثر مرونة وتنوعاً واستدامة، هذا المنظور الاستباقي يعزز القناعة بأن الاقتصاد السعودي لا يراهن على النفط فقط بل على الابتكار والقدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية.
نقلا عن الرياض