أسعار الأسهم والتوقعات الرشيدة والمشي العشوائي

23/01/2024 3
د.صالح السلطان

المتتبعون لسوق الأسهم تمر بهم أوقات يلاحظون أخبارا تبدو لهم متعارضة: لم ترتفع أسعار أسهم شركات رغم إعلان أخبار سارة. وأوضح مثال نشر خبر تحقيق أرباح جيدة، هذه الصورة كانت نقطة اهتمام عدد كبير من المتخصصين في المالية finance ومن الاقتصاديين "المتخصصين في علم أو علوم الاقتصاد" خاصة الباحثين في الاقتصاد المالي financial economics. ولعل التفسير المستند إلى فكرة "المشي العشوائي" random walk لأسعار السندات securities prices وهي فكرة أو نظرية مبنية على النظرية الاقتصادية "التوقعات الرشيدة" rational expectations كانت أقوى تفسير – أوردت العبارات الإنجليزية خوفا من سوء الفهم للعبارات العربية المقابلة، فأرجو المعذرة.

ما معنى التوقعات الرشيدة؟

طبيعة البشر حب المال، سواء كان باليد أو لم يكن، بحب الحصول عليه. ومن أركان ذلك الاستناد على التوقعات. ولذا من الصعب التفكير بوجود أي قطاع اقتصادي أو تصرفات أو وقائع اقتصادية لا شأن لها بالتوقعات. فمثلا يتأثر السعر الحالي للأسهم جزئيا بقناعة أو إيمان البائعين والمشترين المحتملين بما سيحدث مستقبلا، في أزمنة سابقة كان تركيز الاقتصاديين وعامة الناس على التوقعات المبنية على استنباطات من تجارب سابقة فقط، لكن حدث تطور في نظرية التوقعات الاقتصادية، خاصة خلال النصف الثاني من القرن الميلادي الماضي. حيث ظهرت بوضوح نظرية التوقعات الرشيدة، التي تعني أن التوقعات لن تختلف عن أفضل تخمين للمستقبل عند استعمال كل المعلومات المتاحة. وهذا شرح مبسط كثيرا وإلا فإن النظرية لها بناء رياضي وتحليلي معقد بعض الشيء، ولكن لماذا يحاول الناس أن يجعلوا توقعاتهم الحالية مساوية لأفضل تخمين متاح عن المستقبل مستعملين كل المعلومات المتاحة؟

أسهل تفسير هو أنه مكلف جدا ألا يفعل الناس ذلك، نظرا لأنهم يبحثون عن المال بطرق يرونها الأصلح لهم.

ما التأثير والترابط بين التوقعات وما يحدث؟

عندما يصنع الناس توقعاتهم، فإنهم يحاولون التنبؤ بما سيحدث. فكرة التوقعات الرشيدة تؤكد أن ما يحدث لا يختلف بصورة منتظمة عما توقعه الناس أن يكون. الفكرة لا تنفي وقوع الناس في أخطاء، لكنها تقترح أن الأخطاء لا تستمر، أو ما عبر عنه حكماء وقادة سياسيون "يمكنك أن تستغفل بعض الناس كل الأوقات، وأن تستغفل كل الناس بعض الأوقات، لكنك لا تستطيع أن تستغفل كل الناس كل الأوقات"، نظرية التوقعات الرشيدة طورت بواسطة اقتصاديين نقديين أي متخصصين في الاقتصاد النقدي، قد استفاد اقتصاديو التمويل والباحثون الماليون من النظرية لبناء فكرة "المشي العشوائي" random walk لأسعار السندات"، التي تتلخص في أن التغير في أسعار الأسهم ولو جزئيا من قبيل "المشي العشوائي"، وليفهم القارئ، فإن المشي العشوائي يصف السلوك الذي لا يمكن التنبؤ به مسبقا. وفي الاقتصاد يعطى وصف المشي العشوائي ليصف تحركات متغير "كسعر الأسهم اليومي" عندما تكون التغيرات المستقبلية في قيمته صعب جدا التنبؤ بها، وفي حالة الظواهر الاقتصادية المتغيرة "كالأسعار اليومية للأسهم" التي تتبع نمط المشي العشوائي، فإن القيمة الحالية تعطي أفضل تنبؤ ممكن للقيمة المستقبلية.

يستكشف المستثمرون كل مصادر المعلومات من خلال سعيهم للتنبؤ بالأسعار. وعلى هذا فالمستثمرون يشترون الأسهم التي يتوقعون أن تعطيهم عائدا أعلى، ويبيعون الأسهم التي يتوقعون أن تعطيهم عائدا أقل. بصنيعهم هذا فإنهم يدفعون الارتفاع للأسهم التي يتوقعون أن تعطيهم عائدا أعلى، والعكس بالعكس. وتستمر الأسعار في التغير حتى الوصول إلى نقطة تجعلها مساوية لأفضل تنبؤ من جهة السوق للأسعار المستقبلية، مأخوذة في الحسبان عوامل مثل الأرباح والمخاطر، مثال: لنفترض أن مستثمرين توقعوا ارتفاع سهم شركة "ك" 5 في المائة خلال أسبوع. هذا يعني أن الارتفاع السنوي وفق هذه النسبة سيكون 250 في المائة. وحيث إن هذه النسبة أعلى بكثير من معدل العائد التوازني على أسهم ك، فإن هذا يدفع المستثمرين إلى شراء أسهم "ك"، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار الحالية لأسهم الشركة "ك". يتوقف دافع ارتفاع الأسعار لهذه الأسهم، عندما ينخفض التغير المتنبؤ به في السعر إلى الصفر تقريبا.

ما الخلاصة؟ التغير في أسعار الأسهم صعب التنبؤ به. عندما تعلن المعلومات التي هي موضع توقع السوق، فإن أسعار أسهم شركات في أوقات كثيرة لا تتأثر بإعلان هذه المعلومات. لا، لأن الإعلان لم يتضمن معلومات جديدة من شأنها أن تحدث تأثيرا في الأسعار، هذا يفسر سبب انخفاض أسعار أسهم عند إعلان نتائج جيدة. رغم أن هذا يبدو غريبا، إلا أن النتائج المعلنة ليست جيدة بالجودة التي توقعتها السوق. مثلا لو توقعت السوق زيادة الأرباح بنسبة 25 في المائة، بينما الواقع أنها زادت بنسبة 15 في المائة، فإن هذا يعني أن إعلان النتائج دون المأمول به، ومن ثم تنخفض أسعار تلك الأسهم.

نظرية المشي العشوائي كانت محل اختبار كم هائل من الدراسات التطبيقية التي أيدتها. لكن هناك دراسات رغم أنها لا تنكرها، لكنها تجد في صورتها المطروحة والشائعة ثغرات ونقاط ضعف. ويمكن القول بصفة عامة: إن النظرية أسهمت في تفسير كيفية تطور أسعار الأصول المالية، على رأسها الأسهم.

 

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية