جنون الصناديق المتداولة الأمريكية!

02/10/2023 2
د. فهد الحويماني

حجم الأصول المستثمرة في الصناديق الاستثمارية المتداولة يصل إلى قرب عشرة تريليونات دولار، وهناك مئات الصناديق من هذا النوع التي تتميز بأنها تستثمر في منتجات متنوعة، معظمها مختصة بالأسهم، ولكن بعضها مختص بالذهب والنفط والسندات وغيرها، وفي الأعوام القليلة الماضية تنوعت طبيعة الأصول بشكل مذهل. سأتحدث هنا عن آخر صيحة في مجال هذه الصناديق وهو صندوق أطلق قبل أيام قليلة يختص بالتعامل بعقود الخيارات التي تنتهي خلال 24 ساعة، وهي المعروفة بأخطارها المالية العالية، وكنت تحدثت في وقت سابق عن صناديق متداولة مختصة بأساليب غير عادية، كصندوق مختص بأسهم الشركات الواردة على ألسن رواد مواقع التوصل الاجتماعي، كنوع من الفرص التي يستفاد منها في الدخول المبكر مع المتداولين المطلعين على آخر التطورات الاقتصادية والعلمية أو تلك الفرص المتميزة بشكل أو آخر، فظهر هناك صندوق اسمه "لمن يخشى فوات الفرص" وهو مصطلح إنجليزي يعبر عن الظاهرة النفسية والاجتماعية التي يشعر بها الإنسان حين يخاف من ضياع فرص اللحاق بظاهرة أو صيحة ما، فيأتي هذا الصندوق ليلبي احتياجات هؤلاء المتداولين، فيقوم بتغيير استثماراته بين الحين والآخر حسبما يستجد في ساحات مواقع التواصل.

كذلك ظهرت صناديق تختص بأسهم شركة واحدة فقط، على عكس المعتاد كما يظن كثير من الناس أن الهدف من الصندوق أنه يحتوي على أسهم لشركات عدة تتاح للاستثمار كسهم واحد، فتكون وسيلة جيدة لتنويع الاستثمار. لذا يبدو غريبا أن يكون هناك صندوق مكون من أسهم شركة واحدة، حيث يتساءل البعض عن مدى الحاجة والفائدة من ذلك إن لم يكن بهدف تنويع الاستثمار! فمثلا هناك صندوق مكون من أسهم شركة تسلا فقط، ومن يرغب في شراء أسهم الصندوق يقوم بإدخال رمز الصندوق بدلا من رمز شركة تسلا، فلماذا إذن لا يقوم المتداول بشراء أسهم تسلا مباشرة؟

في حالة صناديق أسهم شركة واحدة الهدف الرئيس أنه في وقت من الأوقات تكون أسعار بعض الأسهم ذات الشعبية العالية مرتفعة السعر، بمئات الدولارات أحيانا، فيكون من الصعب على بعض المتداولين شراؤها. كذلك هناك بعض المتداولين ممن يود ممارسة البيع على المكشوف، ولكن لأسباب عدة قد لا يستطيع القيام بذلك، وهناك من يرغب في مضاعفة العائد من خلال التعامل على الهامش أو التداول اليومي لكنه لا يستطيع القيام بذلك بنفسه فيستفيد من هذه الصناديق. وهناك صناديق تتيح للمستثمر الاستفادة من الارتفاعات المتوقعة في صناعات دقيقة أو مجالات تقنية حديثة كالذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة والسيارات الكهربائية والحوسبة الكمية وغير ذلك من ابتكارات جديدة وواعدة.

أما على صعيد التعامل بعقود الخيارات فظهرت هناك فائدة من وجود صناديق متداولة مختصة بعقود الخيارات، ولا سيما أن التعامل بهذا النوع من الوسائل المالية صعب على كثير من المتداولين، فظهرت هناك على سيبل المثال صناديق متداولة تختص بممارسة البيع المغطى لعقود الخيارات، وهي وسيلة لتحقيق أرباح مالية دورية من خلال بيع عقود مراكز الشراء calls مقابل أسهم يملكها الصندوق، فتكون وسيلة لتحقيق أرباح أسبوعية أو شهرية بأخطار متدنية إلى حد ما.

الصندوق الجديد الذي تم إطلاقه قبل أيام مبني على ظاهرتين حديثتين، الأولى ظاهرة تداول عقود الخيارات الموشكة على الانتهاء، وهي في الأغلب تلك العقود التي ستنتهي بنهاية اليوم أو نهاية اليوم التالي، وهي ظاهرة بدأت تشتهر في العامين الماضيين لاستغلال ميزة كون سعر العقد في الساعات الأخيرة من عمره معرضة لتذبذب عال من جهة، ومن جهة أخرى يستفاد من ميزة تآكل القيمة الزمنية للعقود، لأن سعر العقد يفقد قيمته بسرعة مع اقتراب ساعة انتهاء العقد. لذا يقوم المضاربون في عقود اليوم الأخير ببيع عقود calls وputs في الساعات الأخيرة ويحتفظون بما دخل إليهم من متحصلات البيع عندما تنتهي فترة سريان العقد خلال ساعات قليلة.

الظاهرة الثانية التي يستغلها هذا الصندوق المتداول الجديد هي ظاهرة ارتفاع معدلات الفائدة التي حدثت منذ عام ونصف حيث يقوم الصندوق بشراء سندات تمنح عوائد عالية تصل إلى 5 في المائة أو أكثر، ويستخدم هذه السندات كضمانات حين يقوم ببيع عقود الخيارات الموشكة على الانتهاء. الفكرة هنا أنه بدلا من الاحتفاظ بمبالغ نقدية في الحساب لممارسة بيع عقود الخيارات، تقوم هذه السندات المدرة للعوائد الدورية بدور الضمان المطلوب، وفي الوقت نفسه تدر عوائد دورية للصندوق. والطريقة التي يحقق فيها الصندوق أرباحه تتم من خلال بيع عقود put على العقود المستقبلية لمؤشر ناسداك 100 والاحتفاظ بمحصلات البيع إلى نهاية اليوم على أمل ألا يكون هناك تراجع في حركة الأسهم لبقية اليوم.

طريقة تحقيق الربح لهذا الصندوق ليست خالية من المخاطرة بالطبع، ولكن نظرا لقصر المدة يتلاشى جزء من مخاطرة حركة الأسهم، من جهة أخرى بما أن هذه العقود خاصة بمؤشر أسهم فلا يوجد هناك تسليم لأسهم حقيقية، كما يحصل حين يتم بيع عقود خيارات أسهم عادية، حيث يتم إلزام بائع العقود بتسلم الأسهم محل العقد، ولكن في حالة عقود المؤشرات فلا يوجد هناك أسهم، بل إن العقد مبني على حركة مؤشر لأسهم وليس للأسهم ذاتها، فتزول مخاطرة التورط بتسلم أسهم في نهاية اليوم.

من الممكن أن يجد الصندوق المتداول الجديد شعبية لدى المتداولين الذين يسمعون عن ظاهرة تداول العقود الموشكة على الانتهاء ويودون المشاركة بها بلا جهد ولا معرفة من قبلهم، ومع ذلك طبيعة عمل الصندوق هذا لا ينتج عنها عوائد عالية جدا كما يحدث في التداول الحر لعقود الخيارات في الساعات الأخيرة، لأن عمل الصندوق يقتصر على بيع عقود مؤشر ناسداك 100، ولا يتعامل بالأسهم الفردية التي يمكن أن تمنح عوائد عالية بأخطار عالية جدا خلال ساعات قليلة. لذا فهو مناسب لمن يرغب في تحقيق عوائد سنوية أعلى من عوائد المؤشرات الكبيرة المعروفة، ولكن بمخاطرة أعلى بطبيعة الحال، إضافة إلى الاستغناء عن الحاجة إلى معرفة كيفية تداول عقود الخيارات.

 

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية