«بريكس» ومستقبل الدولار

28/08/2023 0
د.صالح السلطان

كان الدولار ضمن قائمة اهتمامات قمة بريكس المعقودة قبل أيام قليلة في جوهانسبرج عاصمة جنوب إفريقيا. والرأي الذي ساد في هذه القمة تقليل اعتماد اقتصادات العالم على نظام الدولار المهيمن. وسبق القمة طرح مقترحات بتطوير عملة جديدة، لاستخدامها للتجارة عبر الحدود من قبل دول بريكس، الموضوع متشعب، والحديث عنه إجمالا ليس بجديد، لكنه يتسع مع مرور الوقت. وهو حديث لا يخلو من تعقيدات متنوعة، وخلافات كثيرة متعددة في أسبابها وجوانبها. بعضها قائم على فهم ونقاشات تتسم بالموضوعية، وبعضها ليس كذلك، يجر الحديث عن مستقبل الدولار إلى نقاشات حول تنظيم وعمل تنظيمات عالمية. على رأسها مجموعة السبع، المكونة من أكبر ستة اقتصادات غربية واليابان، ومنظمات مالية واقتصادية عالمية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

كان الأمين العام للأمم المتحدة حاضرا في قمة بريكس الأخيرة، وعلق على النظام المالي العالمي، بالقول: "لكي تظل المؤسسات متعددة الأطراف عالمية حقا، فلابد من إصلاحها، بحيث تبرز القوى والحقائق الاقتصادية الموجودة اليوم، وليست القوى والحقائق الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولا شك أن النظام المالي العالمي يمر بمشكلات. وترى منظمات مالية كبرى، كالبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، أن هناك مشكلة كبيرة وراء تفاقم العجز في المالية العامة الأمريكية والعالمية. يهيمن الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي منذ عشرات العقود. من ذلك أن الدولار هو عملة الاحتياطي الأولى، حيث يشكل نحو ثلثي احتياطيات النقد الأجنبي في العالم ومبادلات سعر الصرف الأجنبي. ونحو نصف صادرات العالم يتم دفع قيمتها بالدولار.

هل هذه الهيمنة في طريقها إلى الانحدار؟ وما عواقب هذا الانحدار؟ أثيرت أسئلة من قبيل هذين السؤالين عبر الأعوام من قبل عدد كبير من الاقتصاديين، كما أثارته المنظمات المالية الدولية.

شهد الدولار قبل أعوام مضت انحدارا في قيمته أمام عملات، على رأسها اليورو، مع خفض معدلات الفائدة. وكانت من نتائج هذا الخفض توجه البنوك المركزية وشركات المال والمستثمرين حول العالم، للعمل على التخفف من الدولار. لكن حصل العكس أخيرا، فقد ارتفعت معدلات الفائدة، كما يعرف الإخوة القراء، معروف قيام أمريكا عبر الأعوام بتصنيع تريليونات من الدولارات بأكثر من صورة، بهدف تحفيز الاقتصاد الأمريكي. وكما للأدوية آثار جانبية، هذه السياسة لها آثار جانبية، فالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي واقع تحت طائلة إحدى غائلتين أو كليهما: التضخم أو الانكماش. في أعوام مضت كانت التضحية بالتضخم مقابل تحقيق نمو اقتصادي. والوضع في تغير الآن، نشهد تحولات من نوع آخر: تحول الصين إلى مصنع العالم. وطبعا لا ننسى التفوق التعليمي. ورفعت الصين صوتها خلال أعوام مضت مطالبة بعملة احتياطي أساسية تضاف إلى الدولار.

لكن كيف؟ ما العملة التي تحل محل الدولار؟

ليس هناك من عملة في الأفق القريب، لأن هناك متطلبات قاسية في هذه العملة. استقرار العملة متطلب رئيس، وهذا الاستقرار يتطلب بنكا مركزيا يتمتع بالمصداقية، وحكومة تتمتع بالملاءة، أي الوفاء بالتزاماتها المالية على المدى البعيد، أمام الصين أعوام طويلة لتبني اقتصادا وقوة تمكنها من موازاة هيمنة الاقتصاد والقوة الأمريكية. أما منطقة اليورو فليست أحسن حالا من أمريكا، فهي تعاني خلافات معتبرة مؤثرة، ومن اختلالات كبيرة من جراء العجز والمديونية، وفي موضوع مستقبل الدولار يطرح السؤال التالي: أيهما أفضل للاقتصاد العالمي: استمرار هيمنة الدولار أو لا؟

نقاش عليه خلافات كثيرة. فالبعض يرى أن الدولار أسوأ عملة احتياطية. كيف؟ هيمنة الدولار الأمريكي جعلت أمريكا غير مبالية بلعب دور أساسي للاقتصاد العالمي. كيف؟ يرون أنه يجب على الولايات المتحدة السماح لرأس المال بالتدفق بحرية عبر حدودها وامتصاص المدخرات واختلالات الطلب في الدول الأخرى، على سبيل المثال، طالب رئيس البرازيل في قمة سبقت لبريكس بمعرفة سبب استمرار العالم في بناء كل تجارته تقريبا على الدولار الأمريكي، وهو ما جدد الجدل الذي احتدم في الأعوام الأخيرة حول مستقبل الدولار باعتباره العملة العالمية المهيمنة. وهناك الرأي المخالف. تبني عملة احتياطي عالمية بديلة لن يفيد بالضرورة كثيرا من الدول، خاصة دول الفائض. سيدفع الفائض هذه الدول على مواجهة أسباب الفوائض ومعالجتها من خلال تقليص الإنتاج وإعادة توزيع الدخل. لمكانة الدولار علاقة بأوضاع العملات والاحتياطيات قديما. كانت العملات والاحتياطيات التي تمول التجارة الدولية قبل 70 عاما فأكثر تتكون أساسا من العملات المعدنية "العملات الذهبية والفضية". وهذا وضع صعب جدا استمراره، مع طبيعة التطورات، في التجارة العالمية وحركة رأس المال.

باختصار الرأي الغالب لدى المتخصصين أن مكانة الدولار في انحدار، لكنه انحدار نسبي وبطيء. ذلك أنه من الصعب جدا أن تحل عملة أخرى محل الدولار الأمريكي في المستقبل المنظور. ذلك أن الاستعداد للسماح بتدفق رأس المال بحرية وامتصاص المدخرات واختلالات الطلب لبقية العالم هو ما يدعم الدور المهيمن للدولار. وتغير هذا الوضع بصورة واضحة ملموسة متوقع، لكن ليس في المستقبل القريب، بل خلال عشرات الأعوام.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية