القوائم المالية انعكاس لنوايا المحاسبين

16/07/2023 2
د. محمد آل عباس

مشكلة المحاسبة في الحقيقة الاقتصادية أن المحاسبة تحاول أن تكون موضوعية، لكن هذه الموضوعية لم تتعد أبدا ضمان وجود إثبات مادي "ورقة فاتورة أو عقد" على الحدث الاقتصادي، فالمحاسبة مثلا لا تثبت الإيراد إلا إذا تحقق "فعلا"، لكن عبارة تحقق "فعلا"، تأخذ أبعادا كثيرة، فهل الإيراد يتحقق إذا حدث التبادل السلعي "بين النقد والمنتجات المبيعة"؟ ودليله الموضوعي صدور فواتير البيع وسندات القبض، لكن ليست المبيعات دائما نقدية، فقد يتم خروج السلعة من المخزن وتسليمها للعميل، بينما لم يتم دفع أي مبلغ في مقابلها، بل مجرد التزام بالدفع، وقد يحدث العكس، فقد يتم فعليا دفع المبلغ النقدي ولم يتم التسليم في الوقت نفسه، ما هي الحقيقة الاقتصادية إذن؟ لقد ذهب البعض إلى مفهوم الحق، أي إن الحقيقة الاقتصادية تكمن في تبادل الحقوق، فالحق في ملكية السلعة قد انتقل من طرف إلى طرف حتى لو لم يتم نقلها على الحقيقة، وهذا كاف للإثبات المحاسبي، لكن هذا جلعنا كمحاسبين نعيد التفكير في الموضوعية، وهل هي وجود الدليل المادي "الفواتير وسندات القبض" أم الحقيقة الاقتصادية "تبادل الحق"؟ هذا يقودنا إلى فلسفة جون سيرل Searle عن النوايا الجماعية، فرغم أن النوايا مملوكة للأفراد فقط، وهي عمل جماعي مثل كرة القدم فلا يحدث العالم من حولنا نتيجة نية واحدة، بل نتيجة مجموعة نوايا. فالسباق خلف الكرة بطريقة منهجية يوضح ذلك المفهوم، وهكذا يتم إنشاء الواقع الاجتماعي "الموضوعي"، عن طريق نوايانا. هل هذا يعني أن الحقيقة الموضوعية التي تنشدها المحاسبة منذ عصور هي محاولة القبض على النوايا الجماعية "في صورتها الحقيقية".

لمزيد من الفهم لفلسفة سيرل في النقود التي تم إنشاؤها من خلال نية، فنحن نقول بمعاملة قطع معينة من الورق أو المعدن أو حتى الأرقام الإلكترونية، الصادرة عن جهة معينة، على أنها نقود، بينما هي في الحقيقة قطع معدن، أو مجرد أضواء على شاشة كهربائية، ومع ذلك فإننا نعاملها على أنها نقود كحقيقة موضوعية، وفقا لسيرل، فإن إمكانية حدوث هذا النوع من الموضوعية يحدث من تكرار النوايا الجماعية، وقد تذهب بعيدا لفهم ماذا نقصد على الحقيقة بمؤسسات مثل الجامعات، الشركات، وجهات، وهكذا فإن كل هذه الأمور لا وجود لها على الحقيقة بالنسبة لسيرل، إلا في سياق النوايا واللغة. لكن هذا له أبعاد خطيرة، فما نعرفه عن الماضي والمستقبل هو نسبي تماما، الأكثر قلقا هو ما أشار إليه باحثون من أن هذا التوصيف يجعل الشكل الظاهري للأشياء يخفي حقيقته الكامنة، فالمحامي يظهر موكله مهيبا ومحترما لإخفاء جوهره، فهل هذا يحدث عند إعداد التقارير المالية، فالشركات تلبس أفعالها لتبدو كأنها أكثر قدرة ونجاحا مما هي عليه. وإذا كانت الحال هذه فهل يمكننا القول إن تقرير مجلس الإدارة أيا كان هذا المجلس يمثل الحقيقة في جوهرها أو ما يريد مجلس الإدارة أن نراه وكأنه الحقيقة؟ ولذلك نقول دوما إن شهادة مجلس الإدارة عن أداء الشركة هي محل نظر.

باحثون كثيرون يقولون اليوم إن المحاسبة اختراع من الخيال البشري، فمصطلحات مثل الأصول، وحقوق الملكية، والإيرادات، والمصروفات، وما إلى ذلك إلى أشياء ذات طبيعة طبيعية، لكن إلى أشياء تخضع لإعادة التفسير مع تغير الظروف وتعديل المفاهيم للاحتفاظ بفائدتها للغرض البشري المقصود "النوايا". فالأصل المحاسبي لا يصف شيئا في الطبيعة، لكن نوايا مجموعة من المؤسسات الاجتماعية لجعل شيء ما أصلا في الواقع. إذا كان هذا يبدو منطقيا للغاية، فإن مفهوم مثل الاستهلاك يجب أن يحظى بالقناعات نفسها، فهو ليس في الطبيعة، بل هو في مجموعة المقاصد "النوايا" التي اتفق من خلالها المجتمع المحاسبي عليها بشأن الاستهلاك، فهو من ناحية المبدأ، يمثل ما تم تخصيصه من تكلفة الأصل الذي تمت الاستفادة منها في العام المالي، لكن عبارات مثل "استفاد منه" أو عبارات مثل القيمة المستنفدة، كلها عبارات غامضة، لا معنى لها على الحقيقة، فمثلا سيارة تم شراؤها بـ100 ألف وقد تم تحديد نسبة الاستهلاك 10 في المائة سنويا، فيكون مصروف الاستهلاك عشرة آلاف ريال، هذا ليس بالضرورة صحيحا، فقد يكون الاستهلاك أكبر من ذلك أو أقل، لكن ليس هذا هو المهم في المحاسبة، بل فقط ما تم الاتفاق عليه، وإلا فإن التدفقات النقدية التي تم استخدامها لشراء الأصل قد تم إنفاقها جميعها منذ وقت الشراء، وأصبح فقط مسألة الاعتراف بذلك، فلو تم بيع الشركة وتم تقييم السيارة فقد يكون التقييم منخفضا بشكل لافت على عكس ما تم الاتفاق عليه سابقا، لا أحد يقول إن طريقة حساب الاستهلاك خاطئة، وفي حالة مثل هذه فإن كل الأرقام المحاسبية ليست انعكاسا للطبيعة الحقيقة، بل فقط لما يقصده المحاسبون، ولهذا فقط جرت العادة منذ بدأت المحاسبة في إثبات كل هذا القضايا، على حساب نسبة من الدخل تضاف إلى ما تم الاتفاق على تسميته الاحتياطي النظامي، فهو حماية للحقيقة من نوايا المحاسبين، من الغريب في ظل هذا المفهوم أن يتم إلغاء شرط الاحتياطي النظامي من نظام الشركات، وأن تبدأ بعض الشركات في توزيعه على المساهمين، إنها مشكلة قد لا نعرف آثارها اليوم، بل عندما يقرر المحاسبون تغيير نواياهم.

 

 

نقلا عن الاقتصادية