مشكلة سقف الدين

07/05/2023 1
د. ثامر محمود العاني

بلغ الدين الأميركي 31.38 تريليون دولار، فيما يبلغ الحد الأقصى للدين المسموح به لأميركا 31.4 تريليون دولار، أي إنه اقترب من الحد المسموح به وبات يشكل خطراً حقيقياً عليها، حيث أصبح الدين العام يقارب 130 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفي حال عدم قيام الكونغرس برفع سقف الدين، فإن أميركا ستدخل في إجراءات استثنائية، وفي حال تفاقمت أزمة سقف الدين سيؤدي ذلك إلى عدم الثقة في الحكومة والبنوك ويشكل أثرا سلبيا على الاقتصاد الداخلي ونمو الاقتصاد، كما سيؤدي لفقدان هيبة الدولار والاقتصاد الأميركي، وفي الوقت الذي يترقب الاقتصاد الأميركي ومن خلفه الاقتصادات العالمية الكبرى، الحالة التي وصلت إليها أزمة ارتفاع سقف الدين القومي الأميركي واحتمالات تفاقم العجز، ترى دوائر السلطة المالية في أميركا أن تفاقم الوضع الحالي سيؤدي لكوارث كبرى تتخطى الحدود الأميركية، وأنها أزمة موقوتة ستعصف بالاقتصاد الدولي، يشار إلى أن الدولار الأميركي موجود في أغلب الاقتصادات العالمية ويشارك بنحو 80 في المائة منها، بسبب قوة الاقتصاد الأميركي، وكونه الملاذ الآمن، وما يحتويه من فرص استثمارية واعدة ومتنوعة وعوائد مجزية لكثير من رؤوس الأموال، والتي يذهب كثير من مدخراتها للاستثمار في السوق الأميركية، وتأثير أزمة الديون الأميركية على اقتصادات الشرق الأوسط يتفاوت بحسب مقدرة تلك الاقتصادات وطريقة تعاملها مع الاقتصاديات العالمية.

ومن الجدير بالإشارة أن الاقتصادات العالمية تمر في المرحلة الحالية بظروف صعبة جداً، وتجاوز الدين السيادي لأميركا المستوى المقبول، واحتمال التخلف عن سداده، ستكون له تداعيات كبيرة على الاقتصادات العالمية، لما يمثله الاقتصاد الأميركي من أهمية كبرى على جميع الأصعدة، حيث إن الأزمة ستؤثر على الاقتصاد الأميركي من جهتين، حيث ستجعل من تكلفة الإقراض عالية جداً على الأفراد، وسوف تسرع من الركود الاقتصادي في أميركا، إذ إن الأزمة ستكون مؤثرا إضافيا في الركود الاقتصادي رغم وجود ركود اقتصادي في بعض القطاعات منذ نهاية 2022.

ويذكر أن سقف الديون هو إجراء قانوني وبموجبه يحدد الكونغرس أكبر مبلغ مسموح لأميركا استدانته للإنفاق على استمرار تقديم الخدمات الحكومية، مثل تمويل مزايا الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية، ودفع رواتب العسكريين، بالإضافة إلى مدفوعات أخرى. وعند الاقتراب من سقف الدين يتعين على الكونغرس التصويت مجددا على رفع ذلك السقف.

إن الحكومة الأميركية ستضطر ‏لتحديد أولويات الإنفاق، وسوف تعاني العديد من الأعمال الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد ‏على قروض حكومية، وبالتبعية سوف تغلق الكثير من الشركات ‏أبوابها، كما أنها لن تكون قادرة على اقتراض الأموال ‏للسداد، بمعنى أنها لن تستطيع إصدار سندات جديدة لتمويل ‏العجز في الموازنة، وتحت هذا السيناريو، فإن الاقتصاد الأميركي سيعاني من زيادة ‏كبيرة في الفائدة على السندات وستعاني أسواق المال ‏الأميركية والعالمية من خسائر فادحة، وأيضا سيعاني الاقتصاد ‏الأميركي من الركود.‏

وعندما لا تتمكن أميركا من تسديد فواتيرها في الفترة ‏المستحقة، عندئذ ستخفض ‏وكالات التصنيف الائتماني تصنيفها دوليا،‎ وستفقد الأسواق الأميركية الموثوقية الدولية، وسيهبط مؤشر ‏الدولار، وأيضا سيكلف هذا السيناريو الاقتصاد الأميركي فقدان وظائف وثروات الأسر، ‏وسيرفع معدل البطالة. ولا يحتاج الأمر لعناء التفكير لمعرفة أنه حال تعرض الاقتصاد ‏الأميركي للركود، فسوف يعاني ‏منه العالم أجمع، باعتبار أميركا أكبر اقتصاد في العالم.

وبعد أن اقتربت أميركا من الحد القانوني للديون عند 31.4 تريليون دولار، بدأت وزارة الخزانة في تفعيل إجراءات استثنائية لمواصلة سداد التزامات الحكومة، وتعد هذه الإجراءات أدوات محاسبة مالية تحد من بعض الاستثمارات الحكومية لتتمكن من مواصلة سداد فواتيرها، ولكن من دون رفع السقف، وفي حال تخلفها عن سداد ديونها، وما قد ينجم عنه من أزمة اقتصادية عالمية، تؤثر على مستقبلها العالمي، على الرغم من أن تخلف أميركا عن سداد ديونها أمر غير محتمل، إذ إن هناك محاولات كبيرة لرفع سقف الدين الاتحادي مع وضع الإنفاق الحكومي تحت السيطرة، إذ إن أميركا لديها من الخيارات ما يمنع التخلف عن السداد، بدءا من الحيل المحاسبية وصولا إلى قرار تجاهل سقف الديون.

وفي الختام، فإن إمكانية إنشاء الصين نظاما ماليا بديلا مبنيا على عملتها المحلية، في حال تخلفت أميركا عن السداد، أمر مستبعد في الوقت الحاضر، إذ إن سوق سندات الحكومة الصينية ليست كبيرة بما يكفي، أو لا تتمتع بسيولة كافية، أو غير مندمجة مع بقية العالم بالقدر الذي يمكّنها من أن تحل محل سندات الخزينة الأميركية… باستثناء إذا كانت هناك جدية أكبر في تعاونها داخل مجموعة البريكس لتحل محل أميركا لإنشاء نظام مالي عالمي بديل.

 

نقلا عن الشرق الأوسط